التأملات  تأمل    
تجربتي في مهرجان حكايا السادس08/10/2013
كانت سعادتي تغمرُ كل الكون عندما وصلني خبر قبولي لمنحة سفر للمشاركة في ورش عمل مهرجان حكايا السادس بعمّان في الأردن،فالشكر كلّ الشكر لـ سفر وللقائمين على مهرجان حكايا السادس ول مسرح البلد ولكل الأفراد المنظمين والمشرفين على هذه الفعالية حتى تكون بكلّ هذا النجاح الباهر. لطالما كنتُ أحلمُ باكتشاف جزءاً مهمّاً من الشام ،وهذه السفريّة أشهدتني على أحداثٍ مهمّة لايمكن نسيانها على الاطلاق،أولها كانت تلك المدينة الساحرة بقُدمها وبجبالها العتيقة،وبائعوا القهوة بجوانب كل الطرقات التي تضجّ بروائح قهوتهم التي يعدّونها،فلقد كنت اشربها كلّ يوم صباحاً متّجها لمقر مسرح البلد،وتلك المقاهي المملوءة بالناس والأصوات وروائح الأطعمة الشاميّة الشهيّة،كل ذلك لا ينسى،والأجمل تلك التجربة الفريدة التي عشتها واستفدت منها في فعاليات مهرجان حكايا السادس-،فلقد كنّا بعد أن ننتهي من ورش العمل نذهب جميعنا لتناول وجبة الغداء في احدى المطاعم المشهورة في العاصمة مثل "مطعم هاشم"،وبعدها يأتينا "باص" لينقلنا لأماكن عروض المهرجان،كان كل شيء مرتّب وجاهز، كانت هناك عروض من مختلف أنحاء العالم، من فلسطين،والأردن،وسوريّة،والسويد ومصر،وغيرهم،مما شكّل زخم ثقافي وحكواتي راقِ وممتع،مكنني ذلك من معرفة عوالمهم وطرق معيشتهم وأحلامهما بالرغم من عدم زيارتي لهم ومعرفتهم عن قرب،فكانت القصص كافية لأعرف كل ذلك ،فمن مصر عرفتُ عن ثوراتها وأبطالها،عرفت عن شوارعها وأناسها،ومن سورية عرفتٌ عن الحرب ومايحدث من قصص فيها وعن مئاسي المخيّمات وعن الحب والرغبة في الحياة،ومن فلسطين عرفت الطرائف التي كانت تواجه الفلسطيين عند الحاجز،والتمسّك بالأرض والحجر عند مقاومة الاستعمار،ومن السويد عرفتً أغانيهم الرقيقة و لغتهم الغريبة وعن قصص لغرباء كانوا ملفتين للانظار،وكل ذلك جعلني أصر على أن تكون هناك حكاية عن بلادي في المهرجان القادم،عن السودان،فالسودان بلد جميل لم يسمع عنه الآخرون،لم يسمع عن تاريخه وحكاياته،وهذه هي المهمة التي يجب أن أتولّاها بعد اليوم،فالمهرجان جعل لي من الايمان مايكفي للاستمرار في القيام بذلك،فأن تحكي عن وطنك للغرباء هي وطنية من نوع آخر لا تقل نبالة عن الدفاع عن الوطن. - من الأشياء الرائعة أيضاً أننا بعد الانتهاء من فعاليات المهرجان كلّ يوم،ينظّم لنا "مسرح البلد" أمسية عشاء رائعة في مطاعم راقية ومريحة تضمّ المشاركين في الورش و ضيوف المهرجان،فتناول العشاء على نغم الموسيقى الشرقية الأصيلة،ونحظى بالتعرف على بعضنا البعض،مما جعلني اكتسب صداقات جميلة من مختلف الجنسيات،وعرّفني أكثر بالعوالم الأخرى التي يعيشون فيها، كما وطّد ذلك علاقتي بفن الحكاية والقصّة ،وهذا هو النوع من السفريات التي أحبّها وانتظرها وأحلم بها ،فأن تجد الفن والأشخاص والمكان الجديد والجميل الذي لم تزره من قبل،كلها عوامل مهمة جداً لتخلق مخيّلة متماسكة وتمتلك خليّة تعارفية تنتفع بها للأمام في مشوارك الفنيّ والعمليّ، سواء من نواحية اجتماعية أو عملية أو فنيّة،فالأعمال المشتركة المنوّعة بثقافاتها وطرق عرضها هي فن جميل لا يمكن عدم الوقوع في حبّه. - أمّا عن ورش العمل،فلقد تعلّمتُ منها الكثير،والفضل بعد الله و " سفر" كان لمسرح البلد والمدربين السوديين وأصدقائي المشاركين،لقد كان هناك زملاء رائعين ذو خبرة وطموح وحب للفن يكلّله ثقة و شغف واضح،فتعلمتّ منهم وتعلّموا منّي، وكان في اليوم الأول ورشة تسمّى "حكايا ثنائية اللغة"وكان مضمونها عن كيف يمكننا أن نمزج بين لغتين مختلفتين لنحكي نفس الحكاية في نفس الوقت وبنفس المشاعر والحركات،فنكون واصلين حدّ التأثّر بالقصة دون أن تضيّعنا اللغات المختلفة التي لا نعرفها تماماً عندما نحكي بها للآخرين،كان تدريباً شاقاً وممتعاً من ناحية تجريبية،وكان ممتازاً من نواحي فنيّة فاستفدنا منه في التحكم بالمشاعر المرتبطة بالأحداث المحكية دون السماح للغات ليست من أصلنا أن تؤثر في قوة بناء القصة ونبرة أصواتنا التي نحكي بها للجمهور. -وكان في اليوم الثاني والثالث ورشة تسمى "قدري،قدرك وقصتنا" وكان يوماً مليئاً بالاختبارات التي تحدد مقدراتنا الارتجاليّة،والفكرية والخياليّة،فكان يجب علينا أن نحكي قصصنا الخاصة بنا بكل صدق دون خوف،وانقسمنا لمجموعات،كل مجموعة فيها شخصين،وكان يجب ان يحكي الشخص حكايته في 5 دقائق وفي ال5 دقائق الأخرى يستقبل من الآخر رد فعل صديقه المستمع عن قصته وينصحه بالجوانب التي يجب أن يطوّر فيها القصة، وماهي المداخل الأقوى لقصته والنهاية الأفضل لها،والبناء المتماسك والمانسب، لتصير القصة اقوى أثراً على الجمهور،ثم بعد ذلك يحدث نفس الشيء مع الصديق الآخر،حتى يخرجا بقصتين كاملتين قويّتين في 20 دقيقة فقط،فكان هذا التمرين،تمرين مفيد جداً للعمل على جوانب السرعة الفكرية والتخيّلية، والاتقان السردي، ومحاولة لملمة خيوط القصة في وقت سريع جداً دون ترك اي خيوط ضعيفة قد تطيح بجمال القصة أو تضعفها.. - في اليوم الرابع والخامس والسادس كانت الورشة تسمّى" الحياة ورواية التاريخ" ،قمنا بحكي قصص الربيع العربي،وكان هناك تمارين عدّة أهمها تمرين يضم كل 5 افراد في مجموعة،وكل 5 افراد يحكون القصص لبعضهم،ثم تتغير المجموعات وتتداخل مع بعضها فتصير حكايتك متداولة بين ال6 مجموعات الأخرى عن طريق أشخاص آخرين وكذل أنت تحكي قصص لأشخاث آخرين،وكل مجموعة تطرح تعديلاً على قصتك،وهكذا خرجنا بأكثر 13 قصة في 3 ساعات فقط!! وهو توقيت لا يمكن أن ينتج هذا العدد من القصص، ولكن حطمنا هذا الرقم القياسيّ بالعمل الجماعي،وكانت تجربة مفيدة مليئة بالحب والمتعة وروح المشاركة.. - أما في اليوم الخامس فكانت الورشة تسمى " كتابات الذاكرة" وهي مختلفة قليلاً عن الأخريات فلقد كانت عن الكتابة الابداعية لا عن الصوت والالقاء والحركات،وتعلّمت فيها قوانين مختلفة للكتابة مما يسهّل القيام بهذا العمل الأدبيّ الشاق في وقت وجيز،تعلّمنا فيه أنه يجب أن يكون هنالك صراع وبداية ونهاية ليكون هناك قصة،اذا لم يكن هناك احد هؤلاء فلن يكون هناك قصة على الاطلاق،وتعلّمنا طريقة جديدة تسهّل علينا العمل التأليفيّ وتبعدنا عن التفكير الطويل بالتفاصيل،فلو وضعت لنفسك اسئلة عن "شكل المكان والزمان والاشخاص" قبل بدايتك لكتابة القصة ستجد اجابات سريعة للأجوبة وبشكل مرتب، وهذا يسهل عليك فتح طريق واضح لقصتك فتتكون في مخيلتك ابعاد ورؤى سهلة لتخرج أخيراً بقصة رائعة دون خلل في البناء والوصف.. -و في اليوم الأخير كانت الورشة تسمى " الحركة والصوت"،كانت غنيّة بالألعاب الصوريّة والدلالات الرمزيّة،التي تمكننا عن طريقها خلق خيالات بصريّة تمنح عقلنا الخبرة في التكوين ، وتمنح جسدنا خبرة الحركة في المسرح لأن الحركة عامل مهم وجوده عند قصّ الحكاية للجمهور والألعاب المعتمدة على تقوية الخيال هي تقنية ممتازة لتعلّم تقنيات الحكي والحركة مما يبث المتعةبين الأفراد فيسهل التعلّم والعمل،وقمنا في هذا اليوم بتصميم صور ثابتة باستخدام انفسنا كمواضيع صورية لحكايات مختلفة نبنيها نحن ونشكلها نحن،وفي كل مرة نغيّر من وضعية الأشخاص لخلق صورة بصرية تحكي حكايات مختلفة عن القهر والحب والأمل والأحلام والعنف وغيرها من الصور المعبّرة عن الواقع والخيال. كما قمنا بتمارين للجسد لتمكين الحركة المسرحية من عمل مناخ مناسب للقصة عند الحكي لأن الحركة أحد أهم التقنيات لتوصيل المشاعر للآخرين كاملة، وبكل صدق.. -وفي اليوم الآخير في المهرجان حظينا بفعالية خاصة تسمى " سوق الحكايا" وكانت هي تجربتنا لنحكي حكاياتنا الخاصة للجمهور وكانت بمثابة التخرج بالنسبة لنا،بالرغم من أنه كان يوم مليء بالتوتر والحزن،لأننا كنا نتجهز لتوديع بعضنا البعض،بعد كل تلك الأيام الجميلة التي قضيناها سوياً في ورش العمل والمهرجان وخارج المهرجان،لكنه كان يوما مكللاً بالنجاح فلقد قمنا انا و7 أفراد من أصدقائي المشاركين بسرد حكايات للجمهور وكانت حكايات عن واقعنا المعاش، ولقد ابدى الجمهور اعجابه بما قدمنا،مما زادني سعادة بتلك التجربة الاولى في حياتي أمام الجمهور،وزادني ثقة كذلك لأن لا تكون التجربة الأخيرة،لأنه في الأيام التي قضيتها في الورش والمهرجان وجدت جانباً في داخلي لم اكتشفه طيلة حياتي السابقة هو ذلك الحكواتي الصغير المختبىء بداخلي ،وكما قيل : لكل انسان حكاية ليحكيها،وأنا اكتشفت مؤخراً أن الحكي ثقافة قديمة لابد لها ان تستمر في الظهور، ولابد لنا ان نحافظ عليها لأنها اوشكت على الانقراض،وهي وبلا شك فنٌ بديع لا يقل أهميّة من الفنون الأخرى،فهو من أجمل الطرق للتعبير عن أنفسنا وللمساهمة في التعليم والتربية وتخليد التاريخ..

التعليقات:

لا توجد تعليقات
 

لإضافة تعليق انقر هنا

عن سفر


يحمل برنامج سفر، وهو أحد مشاريع الملتقى التربوي العربي، في جعبته عددا لا ينتهي من فرص التعلم. فقد يساعد البرنامج شابا من المشرق العربي في اكتشاف ذاته في أقاصي المغرب العربي..

المزيد



إدعموا سفر


يأمل برنامج سفر بتمويل عربي من خلال تجنيد الدعم المادي العربي من القطاع الخاص لاستمرارية سفر

تبرع


تابعوا سفر


Safar Videos on Youtube

Safar : Youth Mobility Fund on Facebook