أتقدم بخطى سريعة نحو مطار اسطنبول أجرّ حنينا إلى عمّان:عمّان التي عرفتني كائنا ورقيا ينشر في صحفها ومجلاّتها ودور نشرها. وأسحب حقيبتي التي لم أشحنها إلاّ كتبا.تساءلت قبل سفري ما الذي يمكنني أن أحمله من هدايا إلى أصدقاء جدد سيرحلون بعد يومين من اللقاء إلى أراض شتى؟ فلم أجد إلاّ الكتب ستبقى أجمل تذكار يؤكّد معنى السفر من جديد كلما فتحها المرء ولو بعد عمر.
في المقعد 24A من الطائرة التركية أفكّر أنا الذي عرفته مطارات الدنيا أي علاقة تجمع بين السياحة والثقافة والتعلّم.
بدا لي للوهلة الأولى أن هناك صدام أو عدم تجانس بين مصطلحي السياحة والثقافة باعتبار أن الأوّل يحيل على مرجعية اقتصادية مادية وبراغماتية، نفعية وفي المصطلح ما يحيل على ظاهرة الترحال والحركة والانفتاح ،كما تأخذنا دلالات الكلمة إلى معنى التجوال ومعنى الرفاهية والسلم والتسامح والتواصل .
بينما يضرب بنا مصطلح الثقافة في أرض الثبات ومفهوم الهوية L’Identitè:هوية الشعـــــــوب والأفراد.,هذه الهوية التي لا يمكن أن تكتسب سلميّا من وجهة نظر فلسفية وفكرية. فالهويّات حسب عبارة الروائي اللبناني المتوسّطي أمين معلوف “هويات قاتلة” Les identitès Meurtrièresو مُقاتلة .
أتأمّل من جديد في مكوّنات الهوية أجدها لا تتحدّد نهائيا بل تتكوّن عبر الأزمان والتجارب .كما أنها سليلة لقاءات ونتيجة تواصل حضاري وخلاصة تجربة سفر طويل.
مؤمن أنا بأن الهوية الثقافية تتشكّل من خلال التجارب التي عاشتــها بصفتها أرضـا ووطنا و بشـرا فرادى و جماعات يسافرون ويجوبون الأرض الواسعة.
ها إني أرى جرش فيتجدد عندي الاحساس بأن الموروث الثقافي في بلد ما ينهض كنزا مثله مثل جبال الذهب و آبار النفط وحقول الغاز و هي كما سجّل جاك أتالي Jaques ATTALI في “معجم القرن 21″ -Dictionnaire du 21è Siècle- أن الثقافة ستكون:”أوّل منجم لخلق الثروات، وآخر حاجز للمعادلة العامة للسلع″
في نزل غصن الزيتون دخلت قلوب عملة الفندق قبل قلوب المشاركين في اللقاء بمفاتيح هويتي :برشا ,ياسر,بركا ,اكهو ….نتبادل التحيا والضحكات على فوارقنا واختلافاتنا اللغوية ونتقاطع في أحلامنا ورؤيتنا للعالم وللذات :شعوب حزينة من الداخل تحلم بالحرية لكنها تصارع راهنها بروح دونكشوتية ساخرة.
مصطفى عبّاس المصري أوّل الذين اخترقوا قلبي دون حواجز .لم نتحدّث كثيرا لكني كنت أصغي إليه بانتباه وهو يتحدّث بجديته العالية ورصانته المختلفة.شاب جعل من الترحال والسفر أحد مصادر معرفته.
يحتفل المكان بشباب لبنان وسورية والسودان واليمن والمغرب وفلسطين والأردن وتندلع نقاشات تمضي بالمشروع نحو مغامرة أخرى بينما تلفت بعض الآراء حول الفكرة فتعيدها إلى قاعدتها.صراع بين أحلام الشباب وراهن بلدانهم. ومع ذلك يمضي مشروع سفر نحو أمل جديد .
هناك القيت بعض الأدباء وفقدت الاتصال بأحد اهم أصدقائي مفلح العدوان كان بيننا موعد انتظرته.لكن الزمن القصير للملتقى حال دون ذلك اللقاء.فقلت ربما فأل خير لأعود لعمّان مرة أخرى .
ذهبت إلى المطار مبكّرا مع صديقي المغربي لأشتمّ رائحة السفر المنبعثة من الراحلين والقادمين. تذكرت هدايا أصدقائي في الاذاعة التونسية .ماالذي سأشتريه لهم ربما حنظلة العلي هو الأنسب رمزا للحلم الجامح وللكلمة الجديرة بالقول.هكذا اشتريت لهم تمائم حنظلة وركبت الطائرة ليبدأ سفر طويل نحو تونس عبر تركية .في الطائرة عدت إلى رواية هنري ميللر التي بدأتها في طائرة الذهاب قبل يومين. غرقت في أيروسية ميللر المعتّقة بالسفر .
أصل مطار تونس قرطاج.نمرّ على آلات ضبط الحرارة ومكافحة الانفلونزا .مطمئنا أتّجه نحوها.لا يمكن للسفر إلى الأحبة أن يحمّلنا أي داء غير الشوق والحنين.
أصل البيت أفتح بريدي الالكرتوني فأجد دعوة سفر جديد إلى مكان أبعد
أبتسم وأتأمّل :يظل الإنسان كائنا راحلا بكل معاني الرحيل وهو ما ترسّخ في المخيلة الشرقية استنادا إلى النصوص الدينية و التخييلية ، وهو كائن خلاّق لا يرض أن تكون رحلته مجّانية فيعمل على ترك بصماته في الأمكنة التي يمرّ منها وهو كائن تواصلي واجتماعي مما يدفعه إلى عقد علاقات تواصلية مع الآخرين وكذلك هو كائن عاشق للأمكنة وكائن مستكشف وبين الرغبة في بلوغ سكـــــون الكمال وفي طبيعته المجبولة على الرفض والحركة واللاّ استقرار تتشكل خصوصية الكائن البشري .
أنظر إلى حقيبتي بدت كما لو أن عمرها الافتراضي قد انتهى أحتاج إلى حقيبة أخرى لسفر جديد .اتساءل ماذا سآخذ معي هدايا للأصدقاء؟ كتب؟أجيب نفسي بلا تردّد “كتب وإن تركت في غرف النزل سيأتي من يرحل معها ”
من قلب مكتبتي يهتف كيليطو من كتابه “الأدب و الغرابة” :
“إذا أراد المرء أن يتجدّد فما عليه إلاّ أن يغترب،أن يبدّل مقامه،أن يغرب،كما تفعل الشمس. على أن غياب الشمس ليس ضياعها و انعدامها : إنها تشرق على قوم آخرين يسرون بمقدمها عليهم،ـ ثم تعود من جديد إلى القوم الذين غرُبت عنهم.”