سفر

على سفر … الحكاية

1 سبتمبر 2010

كان المسرح مظلما ساكنا.. بالكاد كنت ألمح شبح إيمان و هبة و هما تجريان التعديلات الأخيرة قبل العرض… نشوى و هالة تتأكدان من ثبات الديكور.. وئام طلبت فنجان أخير من القهوة قبل دخول الجمهور و جلست تشربه في ركن المسرح…
المسرح ساكن إلا من صوت قلبي.. أحاول أن أبتعد عن عينيي وئام لئلا يصيبها توتري.. أضم نفسي إلى نفسي .. أستند برأسي لركبتي المضمومتين إلى صدري.. و أتمتم ببعض الأدعية و الآيات..
يأتيني صوت حمدي مخاطبا وئام… “صدقي نفسك.. العرض حيكون جميل”.
و كأن صوته في هذه اللحظة كان يخاطبني… أبتسم.. تأخذني الذكريات إلى ما قبل هذا التاريخ بخمس سنوات.. حين باحت لي إيمان برغبتها في إخراج عرض مسرحي لفريق الكلية.. شجعتها.. سألتني أن يكون من تأليفي.. ابتسمت.. أتذكر أني اشتريت بعدها عدة كتب عن التأليف المسرحي.. و لم أقرأها.. أقنعت نفسي حينها أن لدي ما هو أهم من الكتابة… بعدها دعتني إيمان إلى عرضها الأول .. عرضها الذي لم أكتبه.
يوم سافرت إلى سوريا و التقيت وئام هناك لأول مرة.. مثلنا مشهدا مسرحيا معا.. ألقيت فيه الشعر و تولت هي الحكاية… يومها قال لي ياسين بهدوئه و دفئه… امتا حشوف حاجة انتي اللي كاتباها… و كالعادة ابتسمت.. قلت له إن شاء الله و ابتسمت….
و بعد أن عدت لمصر.. كلمتني وئام… كان صوتها مهموما… و كذا كنت أنا… هي الحكائة التي ما عادت تحكي… و أنا… ما انا… أنا انشغلت عن الكتابة بكل ما هو دونها… نجحت و أخفقت.. و كنت في كل مرة أبتلع مرارة البعد عن الكلمات و أبتسم.. دوما أبتسم…
كلمتني وئام… قالت لي أنها باتت تتخيل – على سبيل الحلم- تفاصيل لقائنا الثاني.. حكايتنا و بوحنا و دفء أن نكون معا…
بعدها كلمني ياسين.. قال لي أنه اقترح على وئام أن تتقدم بمنحة لبرنامج سفر.. هدفها التجاور معي بهدف الخروج بعرض مسرحي… طلب مني أن أكتب فكرة للعرض حتى تتمكن وئام من وضعها في إستمارة التقديم للمجاورة… كتبت على عجالة أربعة أسطر و بعثتهم لوئام… فكرت أن وئام حكائة بالأساس.. و قد خبرت فيها قدرة عالية على الإرتجال.. قلت في نفسي أني لن أحتاج أن أكتب شيئا.. سأقوم فقط بحجز المسرح لوئام و توزيع دعوات على الأصدقاء لحضور عرضا للحكي… وافق سفر على طلب المجاورة .. و للمفارقة.. كان أول شيئ ينجز في عرضنا المسرحي هو حجز المسرح.. هكذا دون نص و دون ترتيبات أخرى.
وصلت وئام يوم الخميس للقاهرة.. قضينا سويا عطلة نهاية الأسبوع بالأسكندرية… في طريق عودتنا كان القطار هادئا… كلمتها عن فكرة العرض.. عن أربعة فتايات يعشن معان مختلفة عن الحرية.. واحدة منهن أنا.. و حكايتين آخرتين عن صديقتين.. و الرابعة عنها.. عن وئام….
على امتداد مسافة البوح.. لم يعد لغيرنا مكان في الحكاية.. فقد كنت أنا و وئام.. على امتداد خطي حياتنا.. نعيش الحرية و عكسها.. كانت إحدانا تعيش حلم الأخرى.

تم ترتيب كل شيء بعدها في سرعة.. كلمت إيمان.. قلت لها أن تستعد لإخراج عرضا مسرحيا ليعرض على مسرح الجيزويت في نهاية الأسبوع… حسبتني أمزح.. قلت لها أن وئام ستغادر يوم الأربعاء القادم و أننا ليس أمامنا خيار آخر… تقابلنا الأحد صباحا… تشاركنا الأفكار و الحكايات على مدار يوم كامل… عدت لبيتي على وعد أن أعود غدا بنص مسرحي…. و لا أعرف حتى هذه اللحظة كيف عدت به بالفعل…
قرأته على إيمان و وئام صباح الاثنين… و في لحظتها.. بدأت إيمان تعد ترتيبات الديكور و السينوغرافيا.. و دخلت وئام الحجرة المقابلة لتتدرب على النص…
قضينا الثلاثاء في ترتيبات مشابهة… رسم الحركة.. خطة الإضاءة.. اختيار الموسيقى.. تصميم الدعوات و بعثها لكل أصدقائنا..
صباح الأربعاء.. يوم العرض… نلتقي في المسرح في التاسعة صباحا… وئام تحفظ و تجرب.. إيمان و بارا تعدان الإضاءة.. أنا و نشوى نجوب منطقة الفجالة بحثا عن خامات الديكور… ثم نجلس سويا لساعات طويلة لنعده سويا… كان الديكور يتكون من عشرات الوسائد.. التي تبعثرها وئام كيفما اتفق أثناء العرض… قضيت يومي أحيك الوسائد.. وئام تتدرب على خطوات المسرحية.. موسيقى الخلفية لتريو جبران و صوت محمود درويش… الاضاءة البيضاء و الزرقاء.. مينا المعلق في الهواء لضبط الكشافات… أنا في الاستديو أسجل المؤثرات الصوتية… بروفه.. البروفه الأولى و الأخيرة قبل العرض… المسرح يظلم.. نقرا الفاتحة… دخول الجمهور.. و الترقب.
وئام الآن على المسرح.. الإضاءة الزرقاء تنساب على ثوبها الأبيض.. و تنساب الموسيقى.. يأخذني الحلم مع حركاتها.. مع النص الذي كان قطعة مني و منها.. استرخي حين أشعر بها أنها الآن “هناك” في حكايتي و حكايتها…. يمر التصفيق جزءا من الحلم.. التحية… تهاني الحاضرين… و دموع ثلاثتنا المنسابة….
بقى فقط ثلاث ساعات على موعد طائرة وئام العائدة إلى سوريا… أقود السيارة في طريقي للمطار… وئام تحدق في الفراغ… تقول لي أنها تحلم بفرقة مسرحية.. تحمل اسم عملنا الأول “على سفر”.. تجوب بلاد وطننا… تحلم و احلم… و أبتسم.. و لكن هذه المرة أبتسم بيقين من يحلم…..
سافرت وئام…. تركت ورائها خيطا من الذكريات و الحنين.
….
سفر أعطاني ما هو أبعد من تذكرة طيران… سفر أعطاني الحكاية

نسمة جويلي
القاهرة

الـمـغـرب

15 أغسطس 2010

الـمـغـرب

بوابة (8)
إننا لا ننسى يا خديجة لأن الزمن يتقادم بنا، ولا لأن الصور الجديدة تجب القديمة. إننا ننسى حين نقرر ذلك. ننسى حتى تدهشنا قدرتنا على النسيان. تنسين فى مدريد ما صنعه بك منير وأخرج أنا إلى المغرب لأنسى ما فعلته بى سارة. وما يخرجنا من ديارنا إلا النسيان. من يمكنه يا خديجة أن يحتمل الذكريات إذا ما فاجأته وهو جالس يقرأ صحيفته المفضلة أو يتابع مباراة لكرة القدم. تختلط عليه الكلمات أو شخوص اللاعبين ويرى ما يحاول أن ينساه وقد صار هو الشئ الوحيد الذى يذكره. تتحرك أمامى كل الأشياء وقد بُعثت فيها الحياة. أطوى الصحيفة وأغلق التلفزيون. أمسك سماعة الهاتف وأؤكد الحجز.
- 25 مايو.
- تحب العودة إمتى يا فندم؟
- اللى يريحك.
- أفندم؟
- ممكن بعد شهر.. شهر كويس مش كده؟
أكدت لى خديجة أن المغرب قادرة على أن” تنسيك نفسك”. قلت لها: لمَ ستتركينها إذن إلى مدريد؟ كانت ستسافر إلى مدريد فى الصباح التالى وأنا إلى كازابلانكا فى المساء التالى. لم يكن هناك وقت كبير للجدل. كانت تحاول أن تعطينى كل المعلومات المتاحة لتؤمن لى “سفرة” ناجحة. قالت إننى ربما أُحب شفشاون. عندما تصل لن تكون محطة القطار مفتوحة. اصبر ساعات قليلة واسأل عن أقرب قطار إلى شفشاون. إذا كنت تقبل النصيحة فاهبط إلى الرباط أولاً.. خذ قسطًا من الراحة. يومان ثم انطلق إلى الشاون كما تريد. نصيحتى لك إن كنت تقبل النصيحة. لا تندفع إلى النسيان مرة واحدة. أنفق وقتًا فى النسيان كما أنفقت وقتًا فى صنع الذكريات. المغرب جميلة يا كمال، تذوقها قطعة قطعة؛ إننا لا نستطيع التهام تورتة جميلة وكبيرة على مرة واحدة. لو كان لديك وقت فأصيلة جميلة وكذلك تطوان وطنجة وكلها قريبة من الشاون.. ولو كان لديك مال فلا تعد قبل أن تزور مراكش وأكادير، ولو كان لديك صبر فلا تعد من غير فاس وأسفى. وإذا عدت بعد ذلك بالذكريات التى سافرت بها، فاطمئن فإنك لن تنساها أبدًا. هذه نصيحتى لك إن كنت تقبل النصيحة.

ولأنى أقبل النصيحة فأنا هنا فى مطار “محمد الخامس″ كازابلانكا. كنا بعد منتصف الليل، أنظر باهتمام عبر النافذة لأستمتع بالمدينة المضيئة من أعلى. أخبرنى جار الطائرة أن الدار البيضاء ليست مدينة ليلية كالقاهرة. لم أرَ بالفعل إلا الظلام حتى أننى لم أدرك أنها العاصمة وقد اقتربت إلا بعد تنويه القائد بربط الأحزمة وإبقاء المقعد على الوضع الطبيعى. لم نكن كُثرًا فانتهت الإجراءات بسرعة.
فى الطائرة بالقاهرة سألت نفسى سؤالاً ظل يراودنى طوال الرحلة وطوال الأيام الثلاثة الأوائل “ماذا فعلت بنفسى؟”. لم أسافر أبدًا وحدى ورحلتى الأولى للبنان كانت مليئة بالشخوص، لم أشعر بمرور الوقت ولا بمسئوليتى تجاه نفسى. طمأنت نفسى أننى لست مسافرًا للعمل بالخليج وعلىّ أن أعود ناجحًا ومًحملاً بالهدايا. أنا هنا سائح وإذا شعرت بوطأة الوحدة أو الوقت يمكننى تغيير الحجز والعودة على أول طائرة.

المطار خاو إلا من ركاب طائرة القاهرة، صغير ونظيف وتشعر أنه غير قابل لفكرة تضليلك بين صالاته. نظرت لساعة محمولى فوجدتها على توقيت القاهرة فنظرت لساعة المطار وعدت لضبطها. بناء على تعليمات خديجة فإن المحطة ستفتح فى السادسة صباحًا؛ أى بعد حوالى خمس ساعات.. علىّ أن أبقى هنا إلى هذا الموعد ثم أركب القطار. أخبرت خديجة التى لم تكن معى أن الثمن باهظ جدًا. سألتنى: أى ثمن؟ قلت: هذا الذى ندفعه، آلاف الكيلومترات التى نقطعها لننسى أناسًا لا يذكروننا. شعرت بالحزن من أجلى لأنى أجلس وحيدًا وشبه شاعر بالبرد اللطيف. على الرغم من حبى لليل إلا أن الليل فى بلاد لا أعرفها يمثل لى مجهولاً بلا حدود.
بعد ربع الساعة أخرجت من حقيبتى علبة عصير فوجدت أمامى رجل أشيب الشعر يسألنى:
- إنت مستنى مين؟
قال جملته بالمغربية فلم أفهمها لأنه باغتنى فظل يكررها إلى أن نطقت بحرج:
- آسف مش فاهم حضرتك.
رجع برقبته للخلف وابتسم قائلاً:
- حضرتى!! إنت مصرى؟
- أيوه.
- كمان أيوه.. متشرفين. عرفتك من “حضرتك” بيتهيألى المصريين بس اللى بيقولوها.. هى والكلمة التانية دى.. اسمها إيه، اسمها إيه؟ آه “إزيك”.. تعرف المصرى لما يقول “إزيك”… هابقى مستنى مين؟
- مستنى القطر.
ضحك الرجل بقوة وصفاء قائلاً:
- عادل إمام.. عادل إمام.
ضحكت عندما استوعبت أن الرجل فهم أنى أمازحه عندما قلت له إنى أنتظر القطار. لكنه تلعثم مُحرجًا عندما أكدت أننى فى انتظار القطار فعلاً لأذهب للرباط.
- بس لسه المحطة هتفتح بعد خمس ساعات. قوم قوم.. أنا معايا ابنى جاى ياخدنى.. أنا نازل الرباط.. هاناخدك فى سكتنا.
خديجة حذرتنى بشدة من الوثوق بأحد لا أعرفه. استسلمت للرجل الذى قادنى بالفعل لابنه فى الخارج. كان يماثلنى فى العمر تقريبًا ويقود سيارة بيجو حديثة. قدمنى إليه:
- محمد.. مصرى.. هاناخده فى طريقنا للرباط.
ضحك الشاب وقال على الفور:
- إزيك.
وانطلق مع أبيه فى مرح حقيقى. لم يكن الرجل الأشيب لصًا ولا ابنه يا خديجة.. أب طيب لم يحتمل فكرة بقائى متيبسًا على مقعد فى انتظار القطار.
- كلها 65 كيلومتر، مش مستاهله تاخد قطر. انا هنا زى ابوك لو عايز حاجة لازم تقولى.
- طبعًا.
- إنت جاى تشتغل؟
- لا.. سياحة.
- سياحة؟ لوحدك؟
لم أجد ردًا مناسبًا فظللت أهز كتفىّ إلى أن قلت:
- ما أعرفش حد ممكن ييجى معايا.
بعد قليل تظاهرت بالنوم طوال المسافة من كازا إلى الرباط مع أنى كنت أتوق لمشاهدة الطريق. تلك العادة منذ الطفولة والتى بقيت معى. عندما كان يبكى ابن أخى الصغير “عبد الرحمن” كنت أحمله ليتفرج على الطريق ونحن فى السيارة لألهيه عن بكائه.. - - شوف يا بودى. إيه ده.. ناس وشجر وعمود نور.. الله.. إيه ده؟ جرار؟ مطعم؟ تاكسى؟ عمارات حلوة؟ الله يا عبد الرحمن.. عصافير!
يضحك عبد الرحمن ثم يصمت ثم ينام وأبقى أنا مستيقظًا أعد عواميد النور.
تظاهرت بالنوم فى السيارة لأهرب من تلك التساؤلات المتلاحقة بالمغربية التى لم أفهم منها شيئًا. خشيت بصدق أن أثير غضبهما من عدم فهمى للكلام. سألانى عن كل شىء.. واضطرا لإعادة كل جملة تقريبًا.. شعرت بالحرج الشديد وكان لابد أن أهرب بطريقة ما. بعد ساعة أيقظنى فتظارهت باليقظة وأعطانى ورقة كبيرة عليها اسمه ورقم محموله. أنزلنى بمودة أمام أحد الفنادق عند مبنى البرلمان فى شارع محمد الخامس، مؤكدًا علىّ أن أتصل به إذا حدث أى شئ. شكرته بمنتهى الحماسة والحب. انصرف ملوحًا لى بيديه. ثم سمعت السيارة تتوقف وسمعته ينادى:
- محمد! ماتتدفعش أكثر من ميتين درهم..
لوحت لهما بيدىّ مبتسمًا. حملت حقيبتىّ وصعدت إلى الفندق.

برشلونة× مانشيستر يونايتد
أهم ما رجعت به من المغرب هو الاستيقاظ مبكرًا. عندما تنهى كل زياراتك إلى القصبة والسور وصومعة حسان وتنظر إلى الساعة فتجدها ما تزال قبل الظهيرة. حوالى شهر كنت فيه مُجبرًا على الاستيقاظ مبكرًا. انتابنى الشك من أول ليلة عندما رأيت المدينة نائمة. فكرت أن الناس هنا يبكرون فى الاستيقاظ وعلى الساهرين أن يبقوا فى منازلهم أو فى بعض الفنادق أو البارات. توقعت أن المدينة بعد الحادية عشرة مساء سأكون فيها وحيدًا.
كانت قوائم الطعام بلغتين: الأسبانية والفرنسية. لم أجد العربية ولا الإنجليزية. فكنت “أُشبه” على الأطعمة والمشروبات بردها إلى الإنجليزية وأحيانًا لم تختلف الفرنسية التى أجهلها تمامًا عن الإنجليزية التى أجهلها فقط. ظللت لذلك فترة يقتصر طلبى فى المأكولات والمشروبات التى تتشابه رسم حروفها الفرنسية مع الإنجليزية، إلى أن قررت أطلب معاونة الجرسون الموجود محاولاً اكتشاف الجديد. اندهش الجرسون عندما أكدت عليه أن المشروب الذى أريده بدون كحول. سألنى بدهشة عن السبب الذى جعلنى “أخمم” فى أن المغاربة يقدمون الخمور.

كل ما أحتل تفكيرى فى اليوم الأول لى بالمغرب هو أن أسأل عن مكان يصلح لمشاهدة نهائى دورى أبطال أوروبا بين المانشيستر والبارسا. أنا مشجع عتيد لأصحاب الزى الأحمر، لم يكسر هذه القاعدة إلا ريال مدريد الأبيض وبوكا جونيور الأزرق. لم أجد عناء كبيرًا لأن الرباط كلها تتهيأ لمشاهدة المباراة. المباراة فى المساء وعلىّ أن أقوم برحلاتى من الآن.
ليس من عاداتى أن أتناول الإفطار بمجرد الاستيقاظ، عادة أُفطر بعد الظهيرة وأحيانًا بعد العصر. لهذا السبب تحديدًا لم أفطر فى الأيام الأولى لأن المغرب لا تقدم أى إفطار فى هذا الوقت. إذا أردت الإفطار فعلىّ أن أفعل بين الثامنة والثانية عشرة. فى هذه الأيام كنت أتغدى مرتين وأتعشى مرة لأعوض وجبة الإفطار الضائعة.
لكنى لم أتخيل أن أكون وحيدًا فى المساء إلى هذا الحد. ليس لأنى بلا أصدقاء أو معارف. غير أنى كنت الوحيد فى المقهى الذى يشجع مانشيستر يونايتد وسط استغراب الجميع ولطفهم معى. هذه ليست مبالغة. كنت الوحيد فى المقهى وربما فى المغرب كلها الذى يشجع الفريق الإنجليزى.
لم يخفِ أحد شماتته بى بعد أن غادرت المقهى قبل نهاية المباراة بعد أن مسح البارسا بالمان يونايتد الأرض الإيطالية، وهزمه -مع الرأفة- بهدفين للاشىء، أحرزهما: صامويل إيتو وميسى. جلس خلفى مجموعة من السياح الأسبان يصرخون طوال الوقت بالإضافة إلى المغاربة الذين احتشدوا كأنه نهائى كأس العالم. لازمتنى فى هذه التسعين دقيقة بشائر الوسواس القهرى أن ثمة من يتحدث عنى بسوء بين الأسبان. هذا الأجنبى الذى يشجع المان يونايتد يجب وأن يعاقب. خرجت قبل النهاية لأفوت عليهم فرصة الاحتكاك بى. الذى عكرنى حقيقة أن المانشيستر قدم أداء بالغ السوء وأخجلنى أمام البارساوية وجعلنى مزحة بالتأكيد.
بعد خروجى من المقهى شعرت أننى فى مدينة أسبانية. لم أجد إلا أعلام البارسا الزرقاء والسيارات المجنونة التى تهتف باسم النادى. هل أنا فى أسبانيا أم فى المغرب. وما حال تلك المدينة إذا ما كان المانشيستر الفائز اليوم. لساعات ظلت السيارات تطوف ويتشاحن الشباب فيما بينهم. كنت أشجع الأحمر لكن ليس مثل هؤلاء. مجرد حماسة منى أو إعجاب لكنه ليس بقيمة فريقى الوطنى مثلاً. تشجيع منطقى لفريق يجيد اللعب كما أتمناه. أما هؤلاء فكأن البارسا هو فريقهم الأم، ولم يكن غريبًا علىّ بعد ذلك أن أعرف أن المغاربة فريقان: الريال والبارسا.

فى الصباح نزلت لأتحدث فى التليفون، وأنا واقف عند البرلمان بجوار كابينة الهاتف العمومى رأيت سارة وهى تأتى نحوى. سلمت علىّ وقالت إن أمنياتنا مشتركة. كان من أمنياتى وقتها أن أحضر مباراة المغرب والكاميرون فى الاستاد فى تصفيات كاس العالم 2010، ولكنى عرفت أن تاريخ المباراة صحيح أما الاستاد فكان فى الكاميرون وليس فى الرباط كما تمنيت. كنت أريد أن أرافق هؤلاء المجانين لتسعين دقيقة نشجع راية المغرب الوطنية. كنت معجبًا جدًا بمروان الشماخ وأتابعه فى فريقه الفرنسى بوردو. وكان لمنتخب المغرب صولاته ضد المنتخب المصرى الذى يرى فى خسارته أمام مصر جريمة لا تغتفر. أكدت سارة أنها تريد أن تذهب معى. كنت فى الشاون لحظة المباراة. توقعت أن الشارع سيكون خاليًا لأن المغاربة سيكونون إما فى البيوت أو فى المقاهى لمتابعة المغرب. أذكر أنى تحايلت على أنس ليأتى معى للمقهى، وهناك رأيت نفرًا قليلاً يتابعون بغير حماس ويستغربون المصرى الذى يشجع فريقهم. ما لمسته من المغاربة وقتها أنهم ربما يحبون مصر خارج الكرة ويرونها أسوأ من إسرائيل داخل الاستاد. لم يقتنع عقلى أبدًا بهذا الازدواج ولكنى لا أملك العكس. رأيت بعينى تلك المقاهى شبه الخاوية لحظة المغرب والكاميرون وهى ممتلئة عن آخرها فى مباراة مصر والجزائر. تلك المباراة التى أقيمت بعدها فى نفس التصفيات. ومثلما كنت وحدى الذى شجع المانشيستر كنت وحدى الذى شجع مصر. كان علىّ أن أكتشف بنفسى كيف يشمون رائحتى المصرية، لغة وثقافة ودينًا وسياسة. كل ما أثارنى ليلة نهائى أوروبا أن الجماهير الغفيرة التى تشجع المنتخب المغربى أمام المنتخب المصرى، أو التى تشجع الرجاء أو الوداد أمام الأهلى أو الزمالك لا وجود لها الليلة. ما أثارنى أننى رأيت وجهًا مفاجئًا للمغرب.. وجهًا لم أفكر فى وجوده أصلاً. أذكر ما قاله لى مغربى محتد:
- ليست الوطنية هى الكرة.
وعندما قلت له رأيى الذى يخلط الكرة بالسياسة، أنهى هو الموضوع:
- المصرى بيكلم راسه.
إذا لم تعبر جماهير الكرة المغربية عن حقيقتها فى الميدان أمام بعضها البعض، أو أمام مصر والجزائر وفرنسا وأسبانيا.. إذن لم تشجع البارسا بكل هذا الحماس وهذه الحقيقية، فأين إذن الوجه الحقيقى للمواطن المغربى إذا لم يكن هو الذى طالعنى فى مقاهى الرباط والشاون وفاس؟

تمرين التنفس رقم (1)
“خُذ شهيقًا عميقًا وأنت تعد على أصابع يديك. 1، 2، 3، 4، …..، 8، ثم احبسه داخلك، ثم أخرج زفيرك بنفس الطريقة التى أدخلته بها. كرر هذا التمرين كلما شعرت أنك تحتاجه. بإمكانك أيضًا أن تخاطب نفسك أثناء الشهيق والزفير بطريقة إيجابية، مثل أن تقول: أنا غير متوتر، أنا غير متوتر. أيضًا يمكنك أن تتخيل التوتر أو الضيق أو السبب المباشر الذى دفعك إلى تمرين التنفس على هيئة كرة صغيرة فى قبضتك وأنت تُطلقها مع الزفير.”

مع أول يومين كنت فرحًا جدًا بأنى أنتمى إلى مصر. بلدى كبيرة ومعروفة أخبارها لدى الجميع. يحدثوننى عن طوابير الخبز وأنابيب الغاز والجرائم الشهيرة التى تتناولها برامج التوك شو وأخبار الفنانين ولاعبى الكرة. تفاصيل مصر معروفة لدرجة تشعر معها أنك لم تغادرها. عندما أُلقى السلام على أى مغربى أجده يضحك بعفوية بعد أن يلتقط لهجتى المصرية الواضحة. يصرخ بدهشة كأنه وجد خمسمائة درهم مغربيًا:
- إنت مصرى؟!
- أيوه.
- وكمان أيوه هههههه.
للحظات فكرت بجدية أنه لا مصريين يزورون المغرب. وللحظات أكثر تنتابنى تلك المشاعر المختلطة بين الدهشة والشك والخوف والسعادة. والسؤال التلقائى الذى أطرحه علىّ: هى الناس دى بتتكلم بجد؟. كأن الرجل الذى اكتشف مصريتى له مبلغ أو أمانة عند مصرى ما، وكونى مصريًا فهذا معناه أن أسد ذلك الأمر عنه. لكن الرجل يتابع:
- من أى بلد؟
- القاهرة.
- يا سلاااام.. عظيمة مصر.
- ربنا يخليك.. إنت زرتها؟
- لا مع الأسف. بس مصر أم الدنيا. (يميل ناحيتى) تعرف بنقول إيه هنا عن مصر (يبدو مثل رجل أجنبى يتكلم المصرية فى أحد أفلامنا القديمة) لما بتيجى سيرتها؟
- لا ما أعرفش.
- بنقول: مصر أم الدنيا.
- ……
- والمغرب أبوها.
ينطلق الرجل بعدها فى ضحك هيستيرى ضاربًا كتفى بمرح، وبعد أن يهدأ يُكمل:
- عادل إمام.. أحمد زكى.. عبد الحليم.. أم كلثوم.. أبو تريكة.. محمود عبد العزيز.. ياااه.. إنت بتشتغل إيه؟
- كاتب.. بكتب روايات وقصص وسيناريوهات.. كده يعنى.
- كويس، أكيد بتقابل ناس معروفين.
- يعنى.. مش دايمًا.
- أصلى عايز نمرة منى زكى (يضحك مازحًا مرة أخرى). أوباما رايح القاهرة عشان يقول كلمته للعالم الإسلامى. بينضفوا مصر من الزبالة عشان الزيارة.
ثم يعتدل الرجل –الذى لا أعرفه بالمرة- فى جلسته ويسألنى عن السبب الذى دفعنا –نحن المصريين- إلى غلق معبر رفح فى وجه الفلسطينيين فى الحرب على غزة.
- معبر رفح يا سيدى……
- كمان ليه مش بتشوفوا غير نفسيكوا؟
- إحنا كمصريين حوالى……
- إشمعنى بكلمك مصرى وبفهمك وإنت بتتكلم، وإنت مش بتفهمنى لما أتكلم؟
- يمكن عشان…..
- يعنى انتوا عندكم سياسة وكورة ودين وصحافة وإحنا لأ؟! على فكرة المصرى بيكلم راسه.
- بص أنا ……
- كمان عادل إمام محبوب هنا أوى ومش بيجيب سيرة المغرب خالص. مش بيجيب غير سيرة مصر. مرة نزل يحيى الفخرانى عندنا وراح مطعم، كانوا بيصوروا مسلسل. تعرف قال للراجل الطباخ إيه؟ قال له: أنا جاى من مصر مخصوص عشان آكل كُسكُس مغربى (يجذبنى من ذراعى) صحيح، أنا لازم أأكلك كسكس. (أتسمر فى يده) إيه مكسوف؟ (أتسمر مرة أخرى) خير.. إنت مش بتحب الكسكس؟
- الحقيقة.. أنا عمرى ما أكلت كسكس.
- مش ممكن.. عمرك ما أكلت كسكس؟
قرأت على ملامحه كأنى أهنته –حقيقة لا توهم- ورجع هو خطوتين للخلف مبتسمًا بحرج وغادرنى بصوت لم أميزه جيدًا. حدث هذا فى أول يوم لى بالشاون.

تذكرت يوسف إدريس وشكواه المريرة من الذين يقابلونه كل يوم فى كل مكان ويسألونه نفس السؤال: هو ليه حضرتك بطلت تكتب قصص واكتفيت بمقالاتك فى الأهرام؟ بدا الأمر جحيمًا حقيقيًا لرجل يقابل المئات ليسألونه نفس السؤال ويُضطر لإلقاء نفس الإجابة.
هذا الجحيم عانيته بالفعل فى المغرب حيث أكون مشدودًا جدًا لكل مغربى وأود لو بقيت معه يحكى لى ما أجهله وأتعلم منه وأندمج معه كما أوصتنى خديجة، لكن أن أجد نفسى وقد تحولت إلى أسطوانة مشروخة تعيد نفس الشىء!
كان هذا يحدث لى دائمًا “على غيار الريق” وأنا أتناول إفطارى فى الساحة أمام القصبة. ووقتها قررت أن أصحب معى إحدى الصحف المغربية. قال لى بائع الصحف إن جريدة المساء هى الأنسب. اشتريتها وبينما أنا عائد إلى أوتيل أنايا حيث أقيم وجدت محمد “موظف الاستقبال بالأوتيل” بصحبة صديق له نادانى ثم التفت لصديقه مُكملاً بعاطفة صادقة:
- ده محمد المصرى.. صاحبى اللى قلت لك عليه.
تصافحنا بحميمية ثم قال لى:
- إزيك.. معاك رقم البت منى زكى؟
ثم ضحك. قلت له:
- أنا محمد.. محمد كمال.
- وأنا أنس.

فى الأيام التالية أصبح رشيد نينى أقرب أصدقائى فى المغرب. تعرفت إلى رشيد عند بائع الصحف فى الساحة. يحتل عمودًا يوميًا كبيرًا فى الصفحة الأخيرة، ولولا بعض الجمل المغربية الدارجة التى لم أفهمها لتخيلت أنه مصرى يكتب عن مصر. الشاون -مثل باقى مدن المغرب- تضج فى تلك الأيام بالانتخابات.
ستقام الانتخابات فى 12 يونيو وسيفوز بها حزب الأصالة والمعاصرة فى مفاجأة لم يتوقعها كثيرون. لم أكن بالطبع متابعًا للحركة الانتخابية المغربية وإنما كانت تحيط بى فى كل مكان، خاصة وأننى شاهدت الاستعدادات فى الشاون بينما كنت فى طنجة يوم إجراء الانتخابات نفسها ثم ظهور النتيجة. فيما بعد عرفت أن نينى دائم الجلوس فى إحدى مقاهى الرباط الرئيسية يتناول إفطاره. فكرت أننى لابد وأن أزوره لأتعرف إليه فى بث حى ومباشر. غير أن نينى لم يكن مفاجأتى الوحيدة ولا حتى بعض الصحفيين الآخريين الذين أدهشونى. كانت دهشتى فى تقرير مطول قرأته فى المساء عن سباق التسلح بين الجزائر والمغرب. قرأت كذلك عددًا من المقالات التى تتحدث عن إجابة السؤال المرعب: هل تقوم الحرب بين الجزائر والمغرب؟ وقتها كنت أتابع عبر الإنترنت الأحوال فى مصر. كنا وقتها منشغلين بزيارة أوباما وتوابعها، ومنشغلين بأنفلونزا الخنازير والرعب الذى صاحب وجود أول حالة إصابة مؤكدة أعلنتها وزارة الصحة. ومنشغلين كذلك بمباراة مصر والجزائر والتى خسرناها 1/3 على أرض البليدة. رأيت الشماتة فى عيون جميع المغاربة الذين قابلتهم. بدا لى الأمر طبيعيًا فمصر الرائدة/ أم الدنيا لا تعرف أى شىء عن الحرب التى تبدو وشيكة جدًا بين ابنتين لها اسمهما المغرب والجزائر. الوضعية صعبة جدًا والصحف المغربية -بطبيعة الحال- تُحمل الجزائر المسألة برمتها، وتراها مناصرة لاستقلال الصحراء وحليفة لجبهة البوليساريو ومثيرة للفتن. غير أن أنس وضع أمامى حقيقة لا أستطيع ولا أريد نكرانها، وهى أننا -المصريون- لا نعرف ما يدور خارج مصر. فقلت له إننا لا نعرف ما يدور داخل مصر أيضًا. أنس أكد لى أن الحرب لن تنشب. ثم قال:
- ما تخافش يا محمد.. العرب بيتكلموا بس لكن مابيعملوش أفعال.
وقتها شدتنى جدًا مسألة الحرب المحتملة فحاولت أن أبحث أثناء إقامتى بالأوتيل عن جذور المشكلة المغربية الجزائرية. اشتريت عدة مجلات وكتابًا صغيرًا أخرجه البائع إلى الفرشة كنوع من مسايرة الأحداث الجارية. دار الكتاب حول حرب الرمال وما حدث بين الحسن الثانى وبن بيلا وبومدين. شعرت حقًا أننى بالفعل أجهل أحداثًا جسامًا. تذكرت كذلك رحلتى الأولى للبنان والتى شعرت فيها نفس الشعور عندما رأيت الأحزاب السياسية تقطع الطريق سلميًا لجمع التبرعات ورأيت وقتها صور الشهداء تزين الجدران فى كل مكان، ضيق الوقت لم يمكننى من التأمل أكثر.
فى الشاون أتحاشى النقاشات مع المغاربة الذين لم ينشغلوا بالموضوع كأن الحرب تدق لدولة أخرى غير المغرب. قابلنى أنس فى المساء وبدأنا منذ ذلك المساء فى حوارات تركت فى روحى وروحه ندوبًا كثيرة. أنس كان يتجنب الحديث فى السياسة شأن كثير من المغاربة الشباب، كأن الأمر لا يعنيه. كذلك يتجنب الحديث عن مصر حتى لا يثير ضيقى تلطفًا منه. ثم تشجع كثيرًا عندما ساعدته على مواصلة الحديث ليخبرنى أنه تفاجأ مثل كثير من المغاربة عندما شاهد قناة الجزيرة وهى تعرض لقاء الإعلامى/ أحمد منصور مع الطيار المغربى/ صالح حشاد، والذى عرض فيه لواقعة مدهشة لى. قال أنس فى لهجة حاول أن تبدو عابرة إن الرئيس مبارك أُلقى القبض عليه أثناء حرب الرمال داخل الأراضى المغربية بصحبة زملاء له. كان مبارك يحارب بأمر من عبد الناصر إلى جوار الجزائر وضد المغرب. ثم أطلق الحسن الثانى سراحهم أمام ناصر على سبيل إثبات عودة العلاقات بين بلديهما. لم تكن لدى أى معلومات حول هذه الواقعة ولم يتوقف أنس أمام تشككى فيها لأنه قال إن المغاربة كذلك لا يعرفون شيئًا. قلت لنفسى إننا نعرف تاريخنا بالصدفة أوعلى لسان الآخرين.
سأكون وأنس صديقين بعد يوم أو اثنين من تلك الواقعة. أما فى هذه الليلة فلن أجد ما أقوله. مبارك كان ينفذ تعليمات عبد الناصر. الرجل الذى قرر أن يناصر الجزائر أيًا كانت الظروف تأكيدًا على فكرة القومية العربية. لم يناصر الجزائر بقدر ما كان يناصر أفكاره. حاول أنس أن يداعبنى ليلطف إحراجى أمامه من أن الرئيس الحالى لبلدى تورط فى حرب مع بلده فى مطلع الستينات، فى الوقت الذى أكلمه فيه عن الحب والترابط. حروب لا طائل من ورائها خضناها. كنت مشدودًا فى تلك الليلة إلى حروب عبد الناصر التى خسرناها كلها ومازلنا نسدد فواتيرها إلى الآن. استغرب أنس من أننى عرفت له نفسى باعتبارى كاتبًا وليست لدى معلومات تبدو بديهية عن المغرب والجزائر. بدوت أمامه كمن فوجئ بأن هناك دولتين اسمهما المغرب والجزائر. دافعت بإلحاح بأننى أنتمى إلى جيل “العلاقات الاستراتيجية بين الدول” وليست لدينا يا أنس أى علاقات بيننا سوى كرة القدم والغناء. أعتقد أنه لم يسامحنى بسهولة لخلطى بين الحسن الثانى ومحمد الخامس ومحمد السادس. فى السفر يا خديجة ربما نخسر ونكسب. أهم ما نخسره أفكارنا عديمة الجدوى، وأهم ما نكسبه الأصدقاء.

أمام المقهى المجاور للأوتيل
بعد أن صحوت فى الصباح على حلم جمعنى بسارة. نزلت إلى أسفل وهناك وجدت أنس بصحبة محمد. صمم على أن نفطر سويًا. لم أتردد. كنت أتمشى معه إلى الساحة حتى وصلنا إلى أحد المقاهى، وهناك أمسك بى رجل. أنس عرفنى إليه باعتبارى صديقه المصرى. كان الرجل فى حوالى الخمسين ويرتدى الجلباب المغربى الأصيل، ويبدو عليه أن التسامح والطيبة. انطلق الرجل الذى قال إن اسمه محمد ويعمل موظفًا بأحد البنوك “الفلاحية”:
- أنس قابلنى امبارح وقال لى إنك كاتب.
- ماقالكش إنى كاتب جاهل؟!.
- هههه ماتقولش كده. بكره تبقى كاتب كبير إن شاء الله. بس أنا عايز منك حاجة.
- أؤمرنى.
أمسكنى الرجل من كتفى ليجعل ظهرى إلى المقهى ووجهى إلى الشارع حيث الناس تسير. التقط نفسًا عميقًا ثم انطلق كالقطار الذى انفلتت كوابحه ليخترق الرصيف.
- شايف.. عندنا محجبات مش عاهرات زى ما انتوا فاكرين. وعندنا مسلمين بيملوا الجوامع وبنعرف نصلى. وبنسمى “محمد” كثير. شوف عندنا ناس بتحترم بعضيها وإحنا بنتكلم عربى مش فرنساوى. والخمور محظورة فى المغرب. ماعندناش دعارة زى ما انتوا فاكرين. إحنا عرب على فكرة يا مصرى.
حاول أنس أن يتدخل خصوصًا بعد أن شاهد وجهى المحمر من هذه المفاجأة، لكن الرجل انطلق ثانية بصوت هادىء وبلهجة خطيرة ومنخفضة:
- بعد الحسن الثانى ماحدش بيتكلم فى السياسة. بس أنا بحملك رسالة للشعب المصرى. لازم تبلغ المصريين كلهم إن المغاربة عرب ومسلمين وهم اللى بنوا الإسلام. والإسلام هيرجع قوى من هنا مش من مصر. فاهمنى.. من المغرب مش مصر. لازم تبلغ المصريين الكلام ده.
لو علم الرجل إننى “باكل بالجزمة” فى مصر كان وفر لى وظيفة بالمغرب ووفر على نفسه ارتفاع ضغط دمه بمجرد أن رآنى.
- لازم تبلغ المصريين.
- بس كده.. حاااضر.. عينيا الاتنين يا حاج محمد.

المرور إلى الجنة
لدى أنس لازمة لطيفة جدًا. يضع يديه فى جيبى بنطلونه ويرقص ناطقًا اسمى أو اسم من يناديه بصفة عامة. فيما بعد عرفت أنه قبل كل لقاء بى كان يشاهد على التلفزيون إعلانًا مصريًا أو ما شابه لمدة دقيقة ليحفظه وليداعبنى به. حاولت أن أفعل مثله لكنى فشلت فى حفظ جمل مغربية كاملة. لم أكن أعرف إلا كلمات متقطعة مثل “واخا، مزيان، بالزاف، تخمم، صافى، دابا، والو” وهى الكلمات المشهورة أصلاً.
بعد أسبوع لى فى شفشاون عرفت أنه يملك المطعم المجاور للأوتيل الذى أسكنه. عمره اثنان وعشرون عامًا. الندوب التى تركتها فى روحه جعلته لا يودعنى عندما هممت بترك الشاون إلى طنجة. قال لى:
- هسلم عليك الصبح قبل ما تمشى.
كنت أعرف أنه لن يفعل. لقد أثقلت عليه جدًا. كنت على صواب فلم أشاهده فى الصباح ولم أغضب منه. دون أن أدرى أشعرته أنه بلا قيمة وأنه يسعى للانتحار. أخبرنى أنه يكمل دراسته فى الإدارة الفندقية. يحلم بأن يدير مطعمًا أو فندقًا فى إنجلترا. فى البداية ظننته يمزح. كان يتحدث بجدية شديدة. قرر أنس منذ سنوات أن يسافر إلى إنجلترا ويعود فى الأجازات لأسرته. يحلم بأن يصنع ثروة تعوض أهله عما شاهدوه. أنس هو أول شاب أقابله فى حياتى يريد أن يسافر إلى أوروبا. ليس ذلك السفر العادى الذى نعرفه، وإنما هى الهجرة النهائية على ما أتصور. قلت له إن أوروبا قد تكون أقسى مما يتصور. أنت عربى ومسلم والمستوى التعليمى والخبرة العملية. كلما وضعت له عائقًا وجدت عنده حلاً جاهزًا. قراره بالسفر نهائى ولا رجعة فيه. أكد لى أن هجرته ستكون شرعية جدًا. قال لى إنه يتابع غرق المصريين بالمئات على سواحل إيطاليا والجزائريين عند فرنسا والمغاربة عند أسبانيا.
- البحر المتوسط بقى مقبرة العرب الجماعية.
لم يكن لدى أنس إلا الاستعداد بكل طريقة للهجرة ويوقفه تعلم اللغة. وقع اختياره على إنجلترا لأن له صحبة هناك ويسميها “عائلة”. الندوب التى تركتها فى روحه كانت فى تلك التفاصيل الصغيرة التى نعبث بها دون أن ندرى، وإلى حقائق ندوسها فى طريقنا دون أن نعرف أنها موجودة. كان من المفترض أن أفهم أن ما يدعونا إلى ترك بلادنا إلى الأبد هو عدم رضانا -ابتداء- عن بلادنا. تلك الأحوال التى يحددها السياسيون بقولهم “بعض الأوضاع التى تحتاج إلى تعديل”. نتأمل “بعض الأوضاع″ تلك لنجدها بسيطة جدًا.. إنها فقط تتعلق بالمرور والنظافة والتعليم والمستوى المعيشى والصحة والحالة الأمنية واحترام القانون والدستور والحريات الشخصية.. هذه الأوضاع اختصرها أنس بأن قال لى “ما الذى يبقينى فى المغرب؟”.
كانت مصريتى “تنقح” علىّ وذاكرة الأغانى المجيدة الحماسية تجعلنى أردد له أن على الأرض دائمًا ما يستحق. خانتنى كلماتى وبدت هزيلة. سألنى:
- مش نفسك انت كمان تسافر؟ أنا عارف إن المصريين عايزين أمريكا عكس المغاربة اللى عايزين أوروبا. مش نفسك تسافر أمريكا؟ أنا كمان بدخل على النت وعارف إن المصريين بيقفوا طوابير قدام السفارة الأمريكية.
لم أكن مستعدًا لنقاش حول الهوية. غير أن أمر الهوية فى المغرب -عامة والشمال منه خاصة- كان يجبرنى على التوقف أمامه. المغاربة المشهورون بجنون كرة القدم لم يكن كثيرون يشجعونها أمام الكاميرون. يقولون إن الشمال المغربى مستبعد من حسابات المدرب، وإن الشمال كله مستبعد من اختيارات الحكومة منذ محاولة انقلاب الصخيرات على الحسن الثانى. لم أفهم باعتبارى مواطنًا يعيش فى دولة مستقلة أو فى زمن شهد تغييرات كبيرة معنى أن هناك تواجدًا أسبانيًا على أرض المغرب. سبتة ومليلية. أنس -وأنا أمسك بخنجرى لأجز روحه ببطء- أشار إلى أنه مستعد أن يراهن بحياته على أنه لو نُظم استفتاء داخل المدينيتن المحتلتين على وضعهما بين المغرب وأسبانيا فإن النتيجة ستكون لصالح بقائهما فى حوزة الأسبان.
- أنا بحسد المصريين على أغانيهم الوطنية وحبهم لبلادهم. تعرف إن التجنيد هنا اختيارى. والحمد لله إنه كده.
لم تكن فكرة مغربى بجواز سفر أسبانى داخل المغرب مستساغة بالنسبة لى:
- ماعدوش مغاربة يا محمد. حاول تفهم. الشباب دول بينزلوا تطوان والشاون يغيظونا بهدومهم وعربياتهم. البوليس ببيشوفهم وهم بيعملوا كل حاجة وماحدش بيكلمهم.
فى تلك الأيام قرأت بالفعل عن احتجاز صحفى من المساء فى إحدى المدينتين هاتين وشعرت بأن أسبانيا ليست على الشمال من المغرب كما كنت أتوقع. كما أخبرنى رشيد نينى أن امرأتين فى أواخر مايو “كانتا ضمن مغاربة آخرين يصارعون بعضهم البعض على بوابات مدينة مغربية محتلة لكى يهربوا من أسواقها سلعًا فوق ظهورهم، فيتزاحمون ويدوسون بعضهم البعض ويموتون تحت الأقدام لإنقاذ اقتصاد المدينة المحتلة من الاختناق.”
المشكلة الأكبر كانت أن أنس تراوده نفس أفكار العديد من المصريين. فأمريكا هى الشيطان، تدعم إسرائيل، تتدخل فى شئوننا الداخلية، لا تتفق فى عاداتنا ولا فى قيم ديننا… غير أننا نحلم بالجنسية الأمريكية والهجرة إليها. فى المغرب كانت فرنسا وأسبانيا أفعى برأسين. أنس إذن لم يختر إنجلترا وجهته المقبلة لأن له عائلة هناك. أنس كان يهرب من اتهامه لذاته بالخيانة إذا سافر فرنسا أو أسبانيا. هاتان الدولتان اللتان استعمرتا بلاده. أنس يريد أن يترك كل شىء خلفه. يترك حكومته المغربية التى تقبض على أصحابه بلا تهمة وفى أى وقت. يترك كذلك قضايا فرنسا وأسبانيا وجدال يختصر المغرب فى أن تكون شرطى درك. تمنع المسلمين والعرب والأفارقة من المرور إلى الجنة. ولا بد أن تفشل المغرب لتبقى أسبانيا الحارس الأمين من داخل التراب المغربى. لتحيط مدينتين تتحكم فى أكثر من 85% من منفذ المغرب على المتوسط. لم أستوعب أننى فى كل لحظة كنت أذبح أنس بسكين باردة. على الأقل شعر أنه مُحتل وهو الذى استقبلنى فى البداية باعتباره مواطنًا مغربيًا حُرًا يستطيع أن يعترض على مصر رئيسًا وحكومة وشعبًا ويفخر فى كل لحظة أنه مغربى ففوجئ أن حكومته تعامله كمواطن درجة ثانية فى بلد محتل يعافر من أجل الهجرة. شعر أنس -أو هكذا شعرت أنا- أنه لا يجد ما يبقيه على قيد الانتماء لبلده. حتى أفكاره هو لا علاقة له بقريب أو بعيد بمدينتين لا تبعدان عنه الكثير. بدا لى مثل شباب أقابلهم فى مصر لا يعرفون أصلاً أن هناك مستعمرتين لا تزالان فى بلد عربى. لوهلة شك أنس أن المصريين يعرفون أن هناك دولة اسمها المغرب. حاولت مداعبته بأن قلت له:
- أكيد المصريين عارفين المغرب. مش هى اللى بتغلبنا فى الكورة كل ما نلاعبها.
لكن أنس لم يضحك، ولم أره بعدها.

الجنة البيضاء
من المفترض أن أكون مبتهجًا يا خديجة بما شاهدته فى المغرب، على الأقل بما لا يدع مجالاً لتزورنى سارة مرتين. مرة فى اليوم السادس لى فى الشاون، كانت تتناول معى الغداء فى رأس الماء، والمرة الثانية أمام القنصلية الفرنسية فى طنجة. حركت يديها لأعلى -تلك الحركة المميزة لغضبها- وهى تسأل:
- معقولة تعرف تيجى القنصلية الفرنسية ومش عارف تيجى القهوة؟
- أنا قلت الناس هتبقى عارفة القنصلية أكثر.
- هى قهوة بلدى يا محمد! دى مقهى باريس.
المهم يا خديجة. كيف حالك أنتِ فى مدريد؟ وهل تقابلين هناك منير مثلما أقابل أنا سارة هنا؟ لقد تشاجرت مع سارة عندما لاقتنى أمام مقهى باريس. تشاجرنا كالمعتاد على سبب تافه جدًا.
بقيت فى طنجة خمسة أيام ولولا كريم ووحدتى هناك لبقيت هناك عمرى. شئ ما لم أفهمه وإنما تسرب فقط إلى داخلى. ذكرتنى طنجة بالإسكندرية، ليس كونها مدينة شمالية أو ساحلية أو تتميز بتاريخ يجمع الأطياف، وإنما فى ذلك الشجن السرى الذى يتلبسنى كلما خطوت داخلها بضع خطوات. تعرفين يا خديجة.. لقد التزمت بتعليماتك فعلاً. أنا صادق فى حبى للحياة لكن ما تفعله طنجة كثير.
هناك أتجول فى شوارعها كما لم أتجول فى حياتى. لا أشعر بغربة ولا أشعر بسعادة ولا أشعر بالرغبة ولا أشعر بشىء.. لكنى أريد الفرار.. وأريد البقاء.
اشتريت كتب محمد شكرى وبول بولز وعرفت قليلاً عن هؤلاء الغرباء الذين حضروا لطنجة لمجرد التفرج والسياحة ثم مكثوا فيها إلى أن ماتوا. لكن أنا.. أنا يا خديجة. محمد الذى لم يتخذ خطوته بعد فى أن يفر من مصر للأبد زاعمًا جنون الكتابة أو الوقوع فى أسر امرأة أجنبية كانت تتهادى أمامه فى شارع ما. محمد لم يتخذ سوى قرار العودة إلى مصر بعد شهر فى المغرب ليستكمل أشياء لا يعرف نهايتها، والتى تركتنى سارة من أجلها.
كنت مشغولاً جدًا بتلك الأفكار وأنا أقف شاردًا وسط الرمال. كان شابًا يؤدى حركات بهلوانية على الشاطىء كأنه يتدرب لعرض بهلوانى. أرنو كذلك عبر البحر إلى تلك الأرض القريبة. قال كريم:
- دى أسبانيا.
- أسبانيا.
- إنت منين؟
- مصر.
- أهلاً بيك. جيت المغرب عشان تروح لإسبانيا؟
كانت خديجة قد أوصتنى بالحذر الشديد عند الحديث عن مصر وأسبانيا. قالت لى إن المصريين قليلون فى المغرب، وبالتالى فإن الكثير من المغاربة سيتوقعون إننى واحد من آلاف الشباب الذين يتوافدون للمغرب من أجل الهجرة غير الشرعية لأوروبا وربما يصل الأمر للأمن المغربى.
كانت الأرض التى أراها الآن ويتحدث عنها كريم اسمها الأرض الخضراء. كأن هذه التسمية متعمدة لإثارة خيالنا نحن الموجودين على الأرض الخراب!.
قال كأنما يُحدث نفسه:
- تخيل أن ساعة فقط تفصلك عن أسبانيا. 14 كيلومتر تقطعها فى ساعة.
صمتُ تمامًا، لم أرتح لهذا الشاب أبدًا على الرغم من أنه بدا ودودًا. كرر عرضه السخى أكثر من مرة:
- لو معك ألفين درهم أو خمسة أو اتناشر سأجد لك وسيلة نقل لأسبانيا.
- أنا هنا سائح.
- كلكم بتقولوا كده وبعد كده بتسافروا. لو كنت جيت الفجر وشوفتك كنت هوريك مركب عليها 25 سائح رايحة على أسبانيا.
ثم انطلق ضاحكًا. كررت رفضى لعرضه بينما صمم هو أننى واحد من هؤلاء “الحراقة”. كان لفظًا بلاغيًا بالنسبة لى ومؤلمًا كذلك. الحديث فى الشمال المغربى يكثر عن المهاجرين غير الشرعيين فى شاحنات البضائع والقوارب والذين يسمونهم الحراقة، الذين يحرقون جذورهم وماضيهم ويقبلون على حياة جديدة فى أوروبا.
فى البداية كان الحراقة هم المعطلين عن العمل والشباب غير المتعلم وأحيانًا الهاربين من أحكام قضائية. مع مرور الوقت انضم إليهم أطباء ومهندسون وحاصلون على شهادات عليا وحاصلون على ماجيستير ودكتوراة، ثم انضم إليهم آنسات وسيدات بأطفالهن.
تنطلق المركب. إذا نجت من حرس السواحل المغربى فإنها تتخذ فى الغالب طريقًا غير مباشرة لتضليل الإسبان أو قوات البلد المُهاجر إليها. تنطلق النيران فيعرفون أن حراس الجنة البيضاء فى الطريق إليهم بزوارقهم الحديثة الصغيرة، فمن آمن بدخول الجنة فإنه يُلقى بنفسه فى البحر حتى لا يقبض عليه الحراس وربما يكمل المسافة سباحة. بعد أيام يُرحل المتبقى على ظهر المركب إلى المغرب ويلفظ البحر من ألقى بنفسه فيه منتفخ البطن وأحيانًا يصل واحد أو اثنان أو أكثر قليلاً لإسبانيا أو فرنسا أو إيطاليا أو أى دولة لها سواحل.
آلاف الأميال يقطعها الأفارقة والعرب على أقدامهم. يهربون من الجوع أو الحرب. يقطعون المسافة إلى الجزائر ثم يدفعون ليعبروا إلى المغرب، ثم يدفعون ليدخلوا إلى المغرب، وهنا ربما يخبئهم تجار البشر فى تطوان أو مكناس. ثم ينطلقون إلى أماكن متفرقة مثل مليلية وطنجة، يفعلون مثلما فعل هذا الأفريقى الذى قابلنى بعد صلاة الجمعة، يتسولون من السائحين وأهل البلد. أو يعملون فى أى مهنة بدون تراخيص عمل ومقابل أجر قليل. أحيانًا تستغرق رحلة الأفارقة إلى الجنة البيضاء سنين. أما المغاربة فإنهم يذهبون فى الغالب فى وقت أقل بكثير حيث يدفعهم الأهل والأصحاب إلى الموت بدعوى صنع المستقبل والحياة الأفضل. الأفارقة والمغاربة يجمعون اليورو ليدفعونها إلى سماسرة المراكب، وهؤلاء السماسرة يقتسمونها بين المغرب وأوروبا.
إذا عبر الحراق إلى الجنة البيضاء سالمًا فإنه يعمل لدى بعض الفلاحين أو أصحاب الأعمال من الأوروبيين أو حتى العرب كرقيق. رقيق حقيقى. يعمل بلا أجر وبلا هوية وبلا ماض. يعمل مقابل السكن والطعام والاختباء عن أعين السلطات. بعد مرور أعوام يتقدم بطلب لتسوية أوضاعه وربما يعود للمغرب أو تقبله الحكومة.
تمر الأيام ويقترض من البنك ليعود لأهله بثياب فاخرة وسيارة رائعة حتى لا يشمت به أحد وليثير لهفة آخرين أصبحت آمالهم أن يصبحوا حراقين مثله.
فى غرفته تتاح له فرصة آمنة لينظر إلى المرآة دون أن يلاحقه حرس الجنة أو العنصريون فيلحظ أن شعره قد ابيض قليلاً. يقضى الأجازة الصيفية فى الحديث عن أوروبا، وكلما قابل صديقًا أو زميلاً قديمًا قال له بلهجة الناصح الأمين:
- إيه اللى مقعدك فى المغرب؟ خلاص بقى.. لازم تهاجر.. لازم تشوف حالك.
قليل منهم يحذر الآخرين وإذا فعلوا لم يصدقهم أحد لأنهم بالتأكيد أولاد حرام ولا يريدون الخير لأحد.
وربما الذى يحذره العائد لديه حلول أخرى أكثر أمنًا. مثل عقد عمل مزور، تأشيرة سياحة قانونية وسليمة ثم يبقى بعد المدة الممنوحة له، يتزوج امرأة من أهل البلد تريد أن تجدد شبابها أو تريد ماله.
كريم لفت نظرى إلى أن هناك آلاف الشباب كل مهمتهم أن يجلسوا إلى مقاهى الإنترنت بحثًا عن تلك المرأة. كان حديثه صحيحًا وكذلك لديه أرقام عن أعداد البطالة فى المغرب وفى بلدنا الشمال الأفريقى، ولديه أرقام عن معدلات النمو فى بلدان أوروبا ومستوى دخل الفرد، كما لديه الأرقام التى تعلنها الصحف عن الحراقة الذين ماتوا فى الرحلة أو الذين قُبض عليهم أو الذين وصلوا بالفعل. معلومات وأرقام عن الهجرة غير الشرعية ووسائلها كأنه دائرة حكومية. لديه قصص عن حراقة نجحوا فى الوصول والعمل وتسوية أوضاعهم.
كريم يتحدث بثقة بالغة عن الجنة البيضاء التى تنادينا بأى وسيلة. كان مسوقًا جيدًا يحتاج إليه الاتحاد الأوروبى بالتأكيد. تشعر بعد حديثه أنك كنت غافلاً عن الحياة والتفكير بالمستقبل. تشعر كأن الجنة الحقيقية على بعد ساعة وليست بعد الموت كما تتخيل.
يجب أن تُعطى كريم كل أموالك وتسير خلفه مفغور الفاه راضيًا مسحورًا إلى قارب لتموت. لا يمكن أن تجادله بأن على أرض المغرب أو العرب أو الأفارقة تكمن ديموقراطية أو آدمية أو حقوق إنسان. لا يمكن أن تخدع مغربيًا بأن الوطن يناديه أو يتمسك بذيل جلبابه ليقول له: من فضلك لا تهاجر.. أرجوك.
- بلادنا مش عايزانا يا محمد.
كريم يعرف جيدًا أنه لا مجال لأحد هاهنا. عرفت الآن كيف يُغرى الشيطان ضحاياه. فشلت فى إقناعه أنى سائح ولم أكن أصلاً مبتهجًا لحديثه هذا ولا أريد أن أفضى إليه أننى أضيق بالحياة وبهذا العالم. كما لم تكن القضية كبيرة بالنسبة لى آنذاك لأن قوارب الموت المصرية لم يبدأ الإعلان عنها بقوة غير بعد عودتى بحوالى العام. حيث بدأ المئات من المصريين فى حال غرق جماعى أمام ساحل الإسكندرية أو ليبيا أو قرب السواحل الإيطالية.
لم أرد أن أسأله أين أهاجر. إلى أمريكا التى تتحكم بالعالم أم إلى العنصرية الضاربة فى أركان أوروبا أم إلى الظلام العربى؟ كريم فى النهاية لا علاقة له بالسياسة إلا أنه يستخدمها مع الاقتصاد كركيزتين أساسيتين لمهنته كسمسار هجرة. هو أحد هؤلاء السماسرة الذين تتركز مهمتهم فى اصطياد الحراق ثم يذهب به إلى سمسار آخر ليوضح له الخطوات ويتسلم منه المبلغ الذى يتجاوز ستين ألف درهم مغربى وبدون ضمانات. مهمة السمسار هى امتداد لمهمة كريم. أن يقنع الحراق أن الموت وأنت تحاول الوصول للجنة البيضاء أفضل وأشرف من البقاء بالمغرب ليصرف عليك أبوك. كان يلح علىّ لدرجة أنى فكرت أنه سينهال علىّ ضربًا لأعترف له أننى حراق ولست سائحًاً. لديه الحق فى ألا يصدق. لأنه لا يوجد سائح بمثل وحدتى ولا حزنى.
أنهى قهوته ثم لم يعد لديه المزيد من الوقت ليضيعه معى فغادرنى. أنا أعطله عن الصيد، لكنه وهو يودعنى نصحنى ألا أهاجر مع شيخ عبد الكريم، الذى لابد وأننى أعطيته مالى وأنتظر هنا مندوبه لأبدأ رحلتى.
- عبد الكريم نصاب يا محمد. لو عايزنى أرجعلك فلوسك قل لى. هرجعها لك ناقصة شوية، لكن على شرط. تسافر معى أنا. (صمت). على راحتك يا محمد. بس وحياة مصر أم الدنيا ما تقوليش إنك سائح. مافيش سياح مصريين فى طنجة ولا فى المغرب بشكلك هذا. (صمت). كمان هقولك على سر من أسرار المهنة. (صمت). كل ما كان الحراق مثقف زيك كده بعرف على طول إنه هيسافر أسرع من غيره. تعرف ليه؟ (صمت). لأنه قرأ وشاف بعينيه وعرف بنفسه إنه مافيش فائدة من القعدة هنا. سلام يا محمد.
- سلام يا كريم.

بعد يومين من مطاردات كريم لى فى مقهى باريس والسوق دا برا ودا الداخل والضوضاء التى صنعها بحضوره، استطعت أخيرًا أن ألتفت إلى أن اليوم هو الخميس وأن طنجة تستضيف مهرجانًا عالميًا لموسيقى الجاز. أقرب عرض لى كان فى ساحة الأمم. كنت قد أتيت للمغرب بعد انتهاء مهرجان موازين ومن خلال صحيفة المساء عرفت أن المغرب يكاد يكون بلد مهرجانات لدرجة أنهم يهاجمون الحكومة لأنها تترك مشاكل الفقر والصحة والبطالة وتنشغل بمهرجان كل يوم.
الطرقات بدأت تمتلئ بالناس الذاهبين للمهرجان المفتوح، وبقصاصات الورق التى تروج لمشرحى الانتخابات التى ستقام فى الغد. فى الشوارع الجانبية ربما تفاجأت بفرق صغيرة جدًا، أوروبية، تفرش آلاتها الموسيقية ويغنون ويعزفون ويصرخون ثم ينصرفون كأنهم عابرو سبيل.
قبل الذهاب للحفل المفتوح تغديت طاجن خضروات بالدجاج وواجهت نفس السؤال الذى طاردنى فى مطاعم المغرب.
- هو إيه الكشرى ده؟
- رز وعدس وحمص ومكرونة وبصل وصلصة.
- حلو. مش كده؟
الإعلام صوّر لهم -فيما أتخيل- أن الكشرى أكلة من عالم آخر. قلت لنفسى إن المغربى الذى يتلهف لطبق كشرى لو رآه لطالب بطرد السفير المصرى. الحديث فى المطاعم يدور حول كيف يأكل المصريون الفول والطعمية والكشرى والملوخية بالأرانب.
- إنتوا إزاى بتحطوا الأرانب جوا الملوخية.
آكل عادة فى صمت يليق بمن ليس لديه رفيق. أفكر أننى قضيت بالمغرب حوالى ثلاثة أسابيع. أفتقد مصر. أفتقدها فى الحقيقة منذ أن ركبت الطائرة قادمًا إلى هنا.
فى الأوتيل، وفى كل ليلة تقريبًا، وبعد أن أنهى الكتاب أفكر فى شعور المهاجر إلى بلاد لا يعرفه أحد فيها. خديجة حذرتنى من أننى سأشعر بهذا لأننى لست معتادًا مثلها على السفر. نصحتنى كذلك بأننى يجب أن أتعامل من أول لحظة كالمهاجرين حتى لا أعود على أول طائرة. يجب أن تتكلم مع الجميع، احذر من الذين لا تطمئن إليهم. اقرأ الصحف وخذ نصائح من كل من تقابلهم.
كتبت فى كراسة صغيرة الأشخاص الذين قابلتهم وتكلمت معهم وتبادلنا أرقام الهواتف معًا، من أول الرجل الأشيب الذى قابلنى فى مطار كازا إلى كريم.
فى الخميس الأخير بطنجة وبالمغرب كلها أتممت نصائح خديجة، التى تعتقد أننى لن أفعل منها شيئًا؛ لأن رأسى حجر كالصعايدة الذين تراهم فى التليفزيون.

يوم السبت
ظهرت نتيجة الانتخابات البرلمانية وفاز حزب الأصالة والمعاصرة. لكنى تابعت بالفندق بشغف أكبر الانتخابات الرئاسية الإيرانية والصراع المحتدم بين نجاد وموسوى والأحداث المأساوية التى حدثت بإيران. داخلنى شعور مخيف بأن مصر قد تدخل فى مثل هذا النمط من الصراع.
قضيت ساعة أمام التليفزيون أتنقل بين القنوات التى تذيع الأحداث الإيرانية وبيانات وزارة الصحة المصرية حول مصابى ومشتبهى أنفلونزا الخنازير. وقعت فريسة لتهويل الإعلام. تصورت أننى سأصل إلى مصر لأجدها بلدًا تشبه بلد ساراماجو فى رواية العمى. فى الغربة لا نثق فى أى شىء. أغلقت التليفزيون. وصل الفراغ بى حدًا لا يطاق. مللت حتى النزول إلى مقاهى الإنترنت التى نجح كريم فى أن يُحرمها علىّ. أصدقائى الذين انتظرت دخولهم والملقين طوال الوقت أون لاين عندما كنت بمصر لا يوجد واحد منهم الآن وأنا فى المغرب. فجأة انشغلوا وأصبحت لديهم ارتباطات. ماشى.. كلكم ستتذوقون الوحدة وتبحثون فلا تجدوا أحدًا. وجدت أحيانًا أصدقائى من الجزائر والسودان وفلسطين والأردن وسوريا ولبنان. نتحدث قليلاً ثم أجد الجوع يداهمنى فأعتذر وأنطلق.
عُدت إلى مصر زائد الوزن بشكل مفرط من المغرب فالسائح الوحيد مثلى لا يفعل شيئًا إلا المشى والأكل والكلام مع الغرباء.. أى غرباء.
لا شك أننى أحببت المغرب جدًا. لا توجد أسباب واضحة. أحيانًا أقول إن المغاربة بطيبتهم وحبهم لى هم السبب، أحيانًا أفكر فى أنها الطبيعة الجغرافية التى فاجأتنى، أحيانًا أفكر فى أنه الهدوء والجو النظيف. ما المانع فى أن تكون كلها مجتمعة؟
صمت كثيرًا ثم فكرت: لماذا لا أهاجر؟ هل لو هاجرت فلن أكون مصريًا!؟ هل سأفقد احترامى لذاتى أو احترام الآخرين؟ هل جريمة أن أكون مصريًا وأسافر إلى بلد أخرى؟ فكرت داخلى أنها هواجس السفر والغربة وأننى حين أعود لمصر سأنسى كل شىء. الطواجن، اللهجة المغربية، كلام السائحين، الاهتمام المغاربى بمصريتى، تمارين التنفس، صحيفة المساء، القصبة، الشاى المنعنع. لن أتذكر إلا أننى مصرى وأنه لا توجد أشياء منطقية تجعلنى لا أفكر فى الهجرة أو حتى السفر على فترات متباعدة.
فى المغرب، وبسبب المغاربة الذين قابلتهم صارت لدى الفرصة لأكتشف نفسى ولأعترف أننى أنتمى أنا أيضًا إلى دولة يداها ملوثتان بحصار غزة مهما تفانيت فى الدفاع عنها، وأنتمى -على الرغم منى- إلى شوارع تملؤها العوادم والقمامة والفوضى. وأنتمى إلى دولة بوليسية لا مستقبل فيها. كلما تكلمت مع أحدهم أجدنى خاسرًا. كرة القدم هى الشئ الوحيد الذى أتحدث فيه دون خسارة ودون دفاع عن نفسى وعن مصر.
المغاربة الذين تحدثت إليهم والذين رفضوا الحديث فى البداية، لديهم نفس الفكرة التى تقول ألا نحكى مشاكلنا أمام الغرباء. بسبب صحيفة المساء وتوقعى أنها تقريبًا المجتمع المغربى لكنه مكتوبًا كانوا يعتقدون أننى فى المغرب منذ فترة طويلة. نتحدث عن الحكومة والحراقين وسبتة ومليلية واحتجاجات العمال والبطالة والرشوة وفساد الشرطة والقضاة والسياسيين. تحدثنا عن أشياء فى صميم المغرب لدرجة أن خديجة قالت لى إن ما فعلته لا يمت للسياحة بصلة فقلت لها إننى فعلت بنصائحك وتلك هى النتيجة.
الحديث عن الهجرة طوال الوقت يجعلك تفكر تلقائيًا فى الهجرة. عندما يبدأ حوارى مع المغاربة فإننا نقدم بداهة فروض الطاعة للوطن، نفرد مساحات فى كلامنا عن حب الوطن، ثم نتكلم وننسى أين يبدأ المغربى وأين ينتهى الصرى. الرشوة والفساد ومشكلات حقوق الإنسان إلى جوار الفن والتاريخ والأهل وعمر قضيناه ولا نريد مفارقة أحجاره. عدم اليقين بأن اجتهادنا هنا يؤدى بنا إلى ما نتمناه، إلى جانب أننا هنا بالتأكيد سنكون فى حال أفضل. أنا مثلكم أيها المغاربة. أكذب على نفسى. أكذب كثيرًا. أكذب بقوة. تماديت فى الحزن وأقنعت نفسى أنى مُدمر بسبب سارة لأنسى أننى تأخرت سنين طويلة فى الوصول لأحلامى. نفس هذه الأحلام لو حلمتها فى بلد أخرى لحققتها فى العشرين أو أكثر قليلاً. سارة التى لم تكن على خطأ حين نهرتنى:
- كتابة إيه وزفت إيه ومصر إيه اللى عايز تقعد فيها.. إنت مصدق للدرجة دى؟ خلاص خليك هنا وأنا هسافر أشوف حالى.
فى بلادنا نستغرق سنة لنفكر وسنتين لنقرر وثلاثة لنستعد وأربعة لنبدأ ثم نكنتشف أننا فى عمر لا يسمح لنا بتحقيق هذا الحلم. نحن هنا صغار جدًا على الأحلام.
عندما كان عمرى واحدًا وعشرين عامًا تخرجت فى الجامعة وكتبت على ورقة أهدافًا بدت لى منطقية وقابلة للتحقيق. العمر أمامى والخطوات على الورق سليمة. ما المستحيل فى أن تكون لى إذاعة خاصة، أو جريدة، أو أكون رئيس ناد كروى؟ مع الوقت كبرت ثم عرفت أن مجرد الحصول على شقة أو وظيفة أو بنت قابلة للحب -مجرد الحب- هو الإنجاز الحقيقى.
فى المغرب عرفت لماذا توقف آباؤنا عن كتابة الشعر. آباؤنا الذين نراهم نماذج فاشلة هم أنفسهم الذين كانوا يداومون على الشعر والسينما والمسرح والسيرك والمظاهرات والقراءة. مع مرور الوقت صار لهم أطفال وأصبحت أفضل أمنياتهم أن يأكلوا ويشربوا ويزوجوا هؤلاء الأطفال. أنا الآن أسافر -مثل أبى- فى شبابى. أحافظ -مثل أبى- على مصريتى. أخطو بثقة -مثل أبى- إلى نفس مصيره. أفقد أحلامى -مثل أبى- بالتدريج. أعدو -مثل أبى- من شارع لشارع. أقفز -مثل أبى- من أتوبيس لأتوبيس. أموت -مثل أبى- على سرير بمستشفى المقاولون العرب متأثرًا بفيروس سى وبالسرطان.
فى التاكسى الذى حملنى وحقائبى آلمتنى رأسى وشعرت بحزن كبير. وصلت إلى المحطة الطرقية، رأيت أنس يتقافز أمامى وأنا جالس أنتظر الأوتوبيس الذى سينقلنى لفاس بعد أن أنهيت أيامى فى طنجة. أنس يخرج لى لسانه ويضع يديه فى جيبه كما اعتاد دائمًا. كان شبيهًا بذلك المهرج الذى لاعب نجيب محفوظ فى أحلام فترة النقاهة. لوحت له من بعيد. تمنيت له التوفيق فى إنجلترا لأنه لا فرصة له فى المغرب. أخفيت عنك يا أنس أن نفس تلك الفرصة قد جاءتنى وأنا فى مثل سنك ورفضتها. الحلم لكى نتذوقه يا أنس يجب أن يأتى فى وقته. مع الأسف أنت تكسب يا أنس وأنا أخسر.

إلى فاس
ستلعب فى نفس الليلة مباراة مصر والبرازيل فى بطولة كأس القارات بجنوب أفريقيا. طبعًا لست متحمسًا للبقاء فى طنجة لمشاهدتها فى وسط مغاربة بعد ما شاهدته فى مباراة الجزائر منذ أيام. عندما أصل لفاس ستكون المباراة انتهت وسحقتنا البرازيل وانتهى الأمر. أرسلت لى خديجة على الفيس بوك أن القطار أفضل فى الانتقال إلى فاس. فضلت الأوتوبيس بعد رحلتى الممتعة من الرباط للشاون. تلك الرحلة التى أدركت فيها أن المغرب علبة ألوان.
من بداية الطريق قلت إن الطريق إلى فاس أجمل من فاس! لم يتبق من الشهر إلا أحد عشر يومًا، ولن أستطيع أن أزور المدن التى رشحها لى الأصدقاء كأسفى ومكناس وأصيلة وإفران بالإضافة إلى كازا التى اكتفيت بالهبوط بها ليلاً. خديجة حذرتنى من العودة دون زيارة مراكش. إذن سأكتفى بثلاثة أيام بفاس ثم مراكش وأختتم الرحلة بكازابلانكا.
فكرت وأنا أرتب جدولى أن مدن المغرب تكاد تكون دولاً منفصلة. عندما أنتقل من مدينة لأخرى أشعر كأننى سافرت من دولة إلى دولة أخرى. دولة لها سورها وناسها ومناخها وطبيعتها الجغرافية وتاريخها واقتصادها ولهجتها.
لم يكن بالأوتوبيس كاسيت أو راديو. فقط أناس يركبون وينزلون. تبدلت الوجوه طوال الرحلة. فى النهاية لم يكن إلاى وثلاثة آخرون. نحن فقط من أتى من طنجة.
تسعة عشر يومًا وحدى بالمغرب. يجب أن أتحدث إلى الناس وإلا جننت أو عدت على أول طائرة. لعبة مثيرة أن تترك نفسك لاختيارات القدر. محامى، موظف بنك، عاطل، عابر سبيل، سائق، صحفى، بائع، مدرس. نتحدث من أى نقطة بداية ولا نعرف أين ولا متى ننتهى. فى أوتوبيس لمدة تسع ساعات تكون اللعبة جديرة بالاهتمام.
الأوتوبيس عامر بأطياف مختلفة فى العمر والجنس والمستويات الاجتماعية، شأنه شأن الكثير من وسائل المواصلات. يكاد يكون نموذجًا مصغرًا من المجتمع القادم منه.
فى ذلك الأوتوبيس ربما تسرد حيوات كاملة على مسامعك وأنت جالس. خاصة بعد أن يعرف المتحدث أنك مصرى. غريب. يتحدث معك دون حسابات. لا مشكلة إذا تحدث عن السياسة أو عن أحوال عائلته شديدة الخصوصية. أيام أو ساعات وستركب طائرتك عائدًا لبلدك ناسيًا الرجل وربما البلد كلها.
غير أن حكايات الخياط والرجل المتقاعد والبنت الجامعية وغيرها فى أوتوبيس فاس، لم تكن لتنسى ولم تكن تزيدنى إلا نفس الإحساس الذى بدأ يكبر فى اليومين الأخيرين بطنجة. ارتباط شديد بالمغرب.. ورغبة محمومة فى العودة إلى مصر.
رفقاء الرحلة يشكون من الأحوال والأنجال والدراهم غير الكافية والشعور بالاختناق فى بلد بدا لى قطعة من الجنة. الحديث يعود ويدور حول الرغبة فى الهجرة أو السفر أو الرغبة فى حياة أفضل. مغاربة من العرائش والصويرة وسلا وتطوان وغيرها توقفت أحلامهم عند تحسين مستوى المعيشة. هذا كل ما يتمناه المغربى. فى هذه الأيام قابلت مغاربة لا تعنيهم غزة أو حربهم المحتملة مع الجزائر، ولا تعنيهم جبهة البوليساريو وشبح الانفصال الصحراوى، ولا تعنيهم سبتة ومليلية ولا الحراقة الغرقى أو الحراقة الرقيق، مغاربة لا تعنيهم أدوار إقليمية ولا مقالات الصحف ولا حتى مباريات الكرة. المغاربة الذين قابلتهم فى رحلتى وأحببتهم كانوا أبسط من كل هذا، مجرد أناس يرغبون فى أن يحيوا حياة كريمة.

عندما وصلت لفاس قابلنى سائق التاكسى مهللاً. سعيدًا جدًا ومبتهجًا قال لى:
- مصر والبرازيل 4/3.
تفاجأت جدًا بالنتيجة وبفرحته وسألته:
- بتتكلم بجد؟ إحنا كسبنا البرازيل 4/3؟
- لا البرازيل اللى كسبت. مصر لو كسبت البرازيل كانت بقت أم الدنيا بجد.
داعبته بأن مباراة للكرة حسمت موقف أم الدنيا فى عيون المغاربة. حدثنى بفخر عن أداء المصريين المشرف. لم أدخل معه فى حوار من قبيل رفض فكرة الأداء المشرف أو إن المنتخب المصرى هُزم فى النهاية من البرازيل. مجرد تسجيلنا لأهداف ثلاثة أنسى كل الناس أننا استقبلنا أربعة أهداف وأن المباراة انتهت لغير صالحنا.
- مبروك يا مصرى!
قالها وهو يتركنى أمام الفندق ويلوح لى باعتزاز.

مكثت بفاس ثلاثة أيام. قررت أن أتقمص دور السائح الحقيقى. السائح غير الوحيد. الاحتفالات الفنية والمدينة القديمة ولقاء الناس دون دفتر ورقى فى رأسى أو كاميرا فى عينى. شعرت أننى محتاج إلى هدنة بعد أكثر من عشرين يومًا بالمغرب. اكتفيت بالتجوال والتصوير والأكل والشرب والسهر والخروج دون أية نقاشات ودن أية حوارات سياسية أو اجتماعية. شعرت بوزنى يزداد وبشعرى يزداد بضع شعيرات بيضاء. قررت أن أعود للرباط للقاء خديجة التى وصلت.
فى الرباط جلسنا أمام أحد المقاهى فى مواجهة مبنى البرلمان. تحدثنا عن مدريد والمدن التى زرتها بالغرب. فى الأخير سألتنى:
- إيه أخبار سارة؟
فقلت:
- سارة مين؟

محمد كمال حسن

بنغازي مدينة نمطية

2 أغسطس 2010

زياد العيساوي - وجدتـُني من حيث لا أدري ، في حديقة الاستقلال ، فلا أعرفُ متى خرجت ، و لا كيف وصلت إليها ، جالساً لوحدي ، و بجانبي علبة ( بيبسي ) مطعوجة و مُطجـِعة على جانبها ، فتذكرت بأنني أول ما خرجت ، قد ألفيتها عند عتبة دارنا فارغة ، فركلتها ( طااااااااف ) – و أصابعي العشرة حتى البراجم في جيبيّ – و توالت الركلات ( طربااااااااف ) جاعلاً في كل مرة ( ركلة ) نقطة توقفها نصب عينيّ ، و هكذا رافقتني من البركة حتى البلاد ، و عند الرصيف المُقابـِل لجامع الحسابات ، قابلتني لافتة ( السفير ) - التي يلتهم قائمها ثلاثة أرباع الرصيف - مكتوبٌ عليها : ( دعوة لحضور الحفل الساهر ، الذي سيقام في مصيف القرية السياحية بقاريونس ، و سيحييه الفنان صلاح رخيص و الفنانة سُمية ) فقذفت العلبة إلى أعلى ( بونتة مع الصبع ) لتـُصيبَ صورة رخيص .. طرشاااااق .

في خلفي ، تهجع تلك العمارة الضخمة المُتعدِّدة المكاتب ، التي لم يستفِد منها المواطن الليبي في شيء ، إذ أنها تستلم منه ملفاً إدراياً ، سعره ربع دينار ، و تسلمه إيصال استلام بالخصوص - لا قيمة له - الذي جاء لأجله ، فيضعه في جيبه ، و يعود به فرحاً ، فتمضي الأيام حُسوماً ، و هوّ يُراجع هذه المكاتب في طوابقها ( راقي نازل ) كما مؤشر الترمومتر الحراري ، و لا يسمع من موظفيها سوى كلمة ( ما زال ) و تتلاحق السنون تِباعاً ، حتى ينسى الأمر ، فتضيع مصلحته في مصلحة الأملاك العامة ، ( الغامة ) على الملفات ، فلا يستلم منها مسكناً و لا قطعة أرض و لا بديلاً و لا تعويضاً ، و تتبخر أحلامه ، عند أعلى نقطة ، يمكن أنْ يطولها مؤشر الترمومتر الزئبقي .

أمامي ينهض مبنى فندق ‘ عمر الخيام ‘ المهجور ، الذي يمثل بنظري ، واجهة مدينة بنغازي من جهة الغرب ، حينما يبدو للواصل ، هو و عمارة ( كانون ) المُطلان معاً على ( الكابترانية ) أكثر جمالاً من مبنى جمعية الدعوة الإسلامية ، و مبنى فندق تيبستي ، و يزداد بهاؤهما ، لما يقترب منهما أكثر فأكثر ، و حالما ينزل من جسر طريق طرابلس في سبيله إلى وسط المدينة .

على يميني ثمة مركز شرطة المدينة في حالة طوارئ و استنفار قصويين ، لوجود أهالي ضحايا ( قهرة بوسليم ) أمامه ، و هم يحملون لافتات و شعارات نارية ، أدركت لحظتئذٍ لِمَ الحديقة فارغة ، و أنا باق ٍ وحيداً ، فيبدو أنّ روّادها ، الذين كنت أراهم دائماً في مثل هذا التوقيت ، من كل يوم ( دلال العفسة و الحل ) .. تـُحاذي هذا المركز ، دار عرض بنغازي ، التي تتعانق و تتعالق عليها ( السّقالات ) مع وقف تنفيذ أعمال الصيانة .

يا لهذا العبث ، الذي أودى بمدينتي إلى هذه النمطية ، فالفندق مهجور و العمارة هاجعة و السينما خربة و الحديقة فارغة ، و لا سلات للمهملات فيها ، فاستودعت فيها علبة الـ ( بيبسي ) عند أحد مقاعدها الخشبية ، ريثما يعود ‘ ملك الحديقة * ‘ و أقرانه الصِّغار إليها - بعد أنْ ينتشر المتظاهرون من أهالي ضحايا ( بوسليم ) فهو و أصدقاؤه ، يشاركون بالهتاف معهم من دون أنْ يدروا ماهية القضية - ليتقاذفوها بأقدامهم الغضّة ، و انسرفت .

***

قصدت سوق الجريد ، سالكاً شارع شيخ الشهداء ، و عند كشك ‘ الطشاني ‘ توقفت لبُرهةٍ مُلقياً بنظرةٍ شاملة على ما يعرضه من صُحفٍ و مجلاتٍ ، بطريقةٍ مُلفِتةٍ للنظر ، فالصُّحف و المجلات الليبية ( الفجر الجديد ، الشمس ، الجماهيرية ، قورينا ، أويا ، مجلة غزالة ، مجلة الثقافة العربية ، مجلة الفصول الأربعة ، مجلة البيت ) مُعلقة جميعها على مشاجب في الخارج ( الهامش ) أما نظيراتها العربيات ( الأهرام ، المصري اليوم ، مجلة وجهات نظر ، العربي ، زهرة الخليج ، اليقظة ، الجيل ، طبّب نفسك ) ففي الداخل ( المتن ) لحمايتها من الريح و الشمس ، لم ترُقني أية واحدة منها .. دخلت إلى مبنى البريد المركزي ، لأفتحَ ( ص . ب ) خاصتي ( 1544 ) و لأجدَ فيه نسختين من مجلة ( القافلة ) الصادرة عن شركة ( أرامكو ) السعودية ، و مجلة ( فكر و فنّ ) في نسختها العربية ، الصادرة عن معهد ( غوتة ) الألماني ، حاضرتين في الموعد تماماً ، و مجاناً .
مضيت قـُدما نحو وجهتي ، بعد أنْ عبرت الشارع إلى الجهة الأخرى ، خشية أنْ تسقط عمارة ( السرقسيوني ) المتهالكة فوق رأسي ، فقد أصبحت كما القنبلة الموقوتة ، التي في أية لحظة ، قد تهوي من علٍّ ، و بعد أنْ تجاوزتها بخط مواز ٍ لها ، عدت و عبرت الطريق من جديد ، مُقبـِلاً على ميدان البلدية الجميل ، الذي لم يعرف ( الأعدقاء ) في أمانة المرافق و جهاز المدينة القديمة ، كيف يستثمرون هذا الميدان التاريخي الجميل ، فهو بتصوري ، لا يصلح لأنْ يكون ميداناً تجارياً ، لتـُباع فيه الملابس النمطية ، فالكل هناك ، يبيعون الملابس التركية و الصينية و التايلندية ، فلا تميُّز و لا تفرُّد في العرض ، فهذا الميدان بمحاله ، يجب أنْ يتحول إلى مقاهٍ أنيقة الجلسات .
وصلت بعد لحظات إلى الجامع العتيق ، و استدرت إلى يمينه ، لأقفزَ على عتبات سوق النور ( الثلاثية ) في وثبة واحدة ، ليتصدر ليّ بائع الدولارات : ( اتصرف يا أستاددد ؟ ) .
- أنا : شكراً .. صحّيت .
- هو : ما عمرها جت منك تضحك .
- أنا بنوبة غيطاوية : أحسن عملة عمر المختار .

من نقطة تصدره ليّ ، و حتى مدخل سوق الجريد ، كان هذا حواري مع أصحاب حرفته ، الذين غالباً ما يتواجدون هناك ، هم و بائعو النظّارات السودانيون ، يتخللهم شاب من ذوي الاحتياجات الخاصة ( الذهنية و المادية ) يضع أمامه ميزاناً غير رقمي ( انالوق ) و على رأس لسانه ، لفظة : ( توزن بربع ؟ ) أحياناً أتجاوزه ، لكني أرجع إليه ، لما أسمعه يتمتم ، فأزن نفسي عنده ، خشية أنْ تصيبني دعوته ، و بمجرد أنْ أقف على قاعدة ميزانه القديم ، يجبر بخاطري ، فيرفع الكسر ، لكونه لا يجيد إلا قراءة الأرقام الصحيحة .. دخلت إلى سوق الجريد الظليل ، و أول من قابلني بائع مصري ، يبيع فوط ( مناشف ) الحمام ، الخمسة بدينار ، يعرضها و يضعها على كتفه ، و يمسح بإحداها رقبته و جبينه المُتصفـِّد عرقاً ، على اليمين ، هناك عجوز تفترش الأرض ، بقطعة قماش ( متر × متر ) تطرح عليها ( بخور و فاصوخ و وشق و شبّة - لوبان ايطرشق - اسواك نسائي و رجالي - لاميتات و أمواس حلاقة - بطاريات أصبع و ريمونت - فيكس فابوراب و فيكس نيجيري بالشيح - مسك و عنبر – معجون أسنان - مُزيل بطشة لإزالة الصّنان - بوية سودة و حمرة - سباسي رياضي و مالبورو - ولعات الاثنين بربع - بريزات و مفاتيح ضي - لامبات بربع دينار - و ما عاقبة حاجة إلا و اتبيع فيها ) بجانبها أكثر من عجوز ، تبيع الحاجات نفسها ، في وسط ممر السوق ، ثمة مسرب ، تمرُّ في حوضه ماء المجاري ، و يقف بائع صغير مع أخيه ، يعرضون بضاعتهم على عربة خشبية تقوم على دواليب صغيرة ، و شيخ مصري بصير ، يتلو آي الذكر الحكيم على أرواح الفقراء و المحرومين الليبيين ، الذين يجوبون السوق ، و لا يحتكمون على دينار واحد - في وسط الجلبة و صياح الباعة - يجلس أمام أحد محال بيع المجوهرات ، و شاب ليبي ملتزم بقربه ، يقعد على ( ابلوكه جيرية ) يبيع أجود العطور الحجازية ، لم ألمح أحداً يشتري ، الكل مثلي ، يمشون من دون وجهة معينة ، عند واجهة أحد معارض الذهب ، مرّرت بجوار شاب و فتاة ، يبدو أنها خطيبته ، سمعتها تسرُّ إليه : ( هضا أكثر واحد يمشي في بنغازي ) - تقصدُني - و لأني كثير المشي ، كما قالت ( مشّيتها لها ) .. حدثت بلبلة في السوق : ( جاكم الحرس يا هووووووو ) و في لمح البصر ، كان كل الباعة خارج السوق ، عابرين الزورايب الفرعية المؤدية إلى شارع البعجة و الصلابي و الشويخات ، سمعت إحدى العجائز ، تدعو عليهم : ( عطهم برص .. ما خلونا نسترزقو على حالنا ) و هي تقوم بثني قطعة القماش ، التي تعرض عليها أشيائها ، بطريقة فنية ، إذ يبدو أنها أعدّتها لمثل هذه الطوارئ ، فقامت بثنيها مرتين ، و أقفلتها بالـ ( سوستة ) فأصبحت مثل الحقيبة ، التي تحفظ كل شيء فيها و مضت مُسرعة .. رجعت إلى الخلف ، ليس بسبب تواجد عناصر الحرس البلدي ، بل لأني أعرف النمطية ، التي يعاني منها هذا السوق هو الآخر ، من ناحية البضائع المعروضة فيه ، فهي أيضاً من المصدر نفسه ، فلا تميُّز و لا تفرُّد فيه و لا فيها .

عندما تقهقرت ، جاءتني مُهاتفة من الصديق الفنان ‘ هيثم ‘ و أنا أعرفه جيداً ، فمتى اتصل بيّ ، فهذا يعني ، أنه يعاني من الشعور بالنمطية القهرية ، اتفقنا أنْ نلتقي عند مكتبة أبيه سابقاً ، الموجودة في شارع المجاهد ‘ أحمد الشريف ‘ لمحته واضعاً يديه في وسطه ، و معه قيثارته ، و هو ينفخ آهات مزمار القلق ، و يزفر ناي الملل .. عند الزقاق الواصل بين شارع اقزير و الساحة الخلفية لسوق الحوت ، توقفنا هناك لدقائق معدودة ، لنشاهد الجدارية ، التي قام أحد المواهب بنقش رسومات لأعلام من بنغازي - عمر المختار و الفضيل بوعمر و أحمد المهدوي و خليفة الفاخري و علي الشعالية و محمد صدقي و شادي الجبل و غيرهم - بالألوان الزيتية عليها ، و التقط ليّ ‘ هيثم ‘ هذه الصورة - جاعلاً هذه الجدارية خلفية لها ، فإذا لم نصور معهم في حياتهم ، فلا بأس أنْ نصور معهم في مماتهم - بعدسة نقاله الصيني ( المعمشة زي اعوينات صانعيها ) :

بدا ليّ ‘ هيثم ‘ في حالة وجدانية عالية ، و مستعداً لإخراج ( البغدد ) على أوتار قيثارته ، لكنه عدِم المكان المناسب ، فلا مسرح مُعدٌّّ لذلك ، و لا منتدى للفنانين الشباب في المدينة ، مرّرنا بعد حين بشارع العقيب ، و عند البيت الثقافي ، أخبرته بأنّ هذا الصرح الجميل ، يجب أنْ يفتح أبوابه لك ، و لمن مثلك من الموهوبين ، و ألا يُخصّص فقط للشعراء و القصّاصين ، فأيننا نحن من الأمسيات الفنية ؟ لكن هذا لن يحدث ، و لا ترتجيه قريباً يا عزيزي ، طالما أنّ اللافتة التي على بوابته مكسورة ، فـ ( المكتوب بائنٌ من عنوانه ) .. هيا يا صاحبي ( ما لنا امفيت حديقة 23 يوليو ) .. جلس ‘ هيثم ‘ هناك و احتضن قيثارته الجديدة ، و بدأ يدندن عليها بهمس ، و هو يتتبع أصابعي ، التي أشير بها إلى العمارات المُطـِلة على شارع جمال عبد الناصر بعد الصيانة الجديدة ، انظر يا هيثم إلى ألوان طلائها الباهتة و الكئيبة ، فأغلب هذه العمارات ، أختير له الألوان الترابية ، حتى أنّ بعضها ، لا تفرق بين لونه و لون ( لياسة ) الأسمنت ، بل أنّ ألوانها تتشابه ، فلا تستطيع أنْ تصف لأحد ما ، أية عمارة منها بلونها ، فيا لهذه النمطية و التشابه في كل شيء الذي يغلب على مدينتنا ، حينذاك ، صرّح لي ‘ هيثم ‘ بهمس ، مثل همس قيثارته : ( يا ازويدة هضا مش مقياس .. راهو في ناس مخلصين يخدمو في بنغازي و يشتغلو تحت الأرض ) و قبل أنْ أسأله عن هؤلاء السُّفليين ، أجابنا أنبوب المجاري ، الذي كان بقربنا و أسفلنا : ( وججججججج ) في بحيرة 23 يوليو ، قاذفاً ( علبة بيبسي ** ) كأول شيء ، ثم مياه سوداء ، فانقطع أحد أوتار قيثارة ‘ هيثم ‘ و عدنا أدراجنا ، و نحن نكاد ننفجر من الضحك على هذه الإجابة الفورية ، مُردِّداً له عبارته : ( قالك في ناس تحت الأرض يخدمو فيها ! .. ما تموا إلا شواطين .. ههههههه ) .

Call for papers for the Symposium on “Exploring Mobility around the Mediterranean”

25 يوليو 2010

4-6 February 2011
The Arab Education Forum – Safar fund and the Fonds Roberto Cimetta are preparing for a Symposium as part of their joint Istikshaf project exploring mobility around the Mediterranean, partially funded by the Anna Lindh Foundation. This Symposium will be held in Alexandria – Egypt in cooperation with the International Association for Creation and Training (I-act), in the context of the Dialog Program-Creative Forum for Independent Theatre Groups (Europe-Mediterranean) which will be held from the 1st to the 10th of February 2011*.
Background on the Symposium:
There is an evident lack or shortage of literature on mobility as a tool for learning, dialogue, and artistic exchange and as a new-old paradigm around the Mediterranean basin. The symposium aims to expand on and develop a renewed understanding of contemporary mobility by bringing together people able to think mobility in its widest sense. The symposium will focus the discussion on key areas such as concrete needs in relation to artistic mobility and mobility for long life learning around the Mediterranean
If you have conducted research or have an experience related to the topic of the Symposium, we encourage you to submit an abstract of the paper you wish to present at this Symposium.
We welcome papers on the many and varied forms of mobility addressing one or more of the following themes:
• Mobility for learning or mobility as a learning tool?
• Challenges to mobility.
• The culture of mobility.
• Mainstreaming/sustaining mobility as a culture and practice.
• Different models/paradigms of Mobility: mobility vs. tourism? Mobility vs. migration?
• Experiences in mobility around the Mediterranean.
• Mobility as a tool for re-inforcing local cultural development
The deadline for submissions is the 15th September 2010.
Abstracts will be accepted in Arabic, English and French, word count should be 300 words or less. A committee from the Istikshaf project partners will review all abstracts. Please e-mail abstracts and/or questions to: Mais Irqsusi mais@almoultaqa.com and/ or Angie Cotte angie.cotte@cimettafund.org
Please circulate this call to your networks.

About Istikshaf
Istikshaf aims to develop an interactive platform for the questioning of artistic mobility around the Mediterranean, as well as providing mobility opportunities for artists across the Mediterranean divide. This Anna Lindh funded 20 month project is a partnership between the Arab Education Forum and Fonds Roberto Cimetta– France, The Arab Theatre Training Center (ATTC)- Lebanon, Al Balad Theatre- Jordan, Studio Emad Eddine Foundation ( SEE)- Egypt, and Dramatiska Institutet (DI)- Sweden.

Appel à contribution - Symposium “Exploration de la mobilité en Méditerranée”

25 يوليو 2010


Le Forum arabe de l’Education, le Fonds Safar et le Fonds Roberto Cimetta organisent un symposium dans le cadre de leur projet de partenariat “Istikshaf”. Ce projet, soutenu par la Fondation Anna Lindh, vise à explorer la mobilité en Méditerranée. Le symposium se tiendra en Alexandrie, Egypte en coopération avec l’Association internationale pour la Création et la Formation (I-Act), dans le cadre du « programme de dialogue » du Forum Créatif des groupes de théâtres indépendants (Europe-Méditerranée) qui aura lieu du 1er au 10 février 2011 .

Il y a un manque évident d’initiation et de diffusion d’études sur la question de la mobilité en tant qu’outil d’apprentissage, de dialogue et d’échanges artistiques et en tant que conception à la fois ancienne et nouvelle du monde méditerranéen. Nous souhaitons, à travers ce symposium, combler ce vide et approfondir ces questions pour développer des conceptions nouvelles de la « mobilité » au sens le plus large du terme. Nos débats tenteront de dégager les nécessités concrètes de la mobilité artistique en Méditerranée et de la mobilité dans la formation tout au long de la vie.

Nous lançons un appel à contributions à tous ceux ou celles ayant conduit des études sur ce thème ou ayant une expérience dans ce domaine. Nous vous demandons de nous faire parvenir un résumé ou un plan d’intervention sur le thème que vous souhaitez aborder lors de ce symposium avant le 15 septembre 2010.
Nous serions heureux de recevoir des présentations sur les nombreuses et diverses formes de mobilité, qui abordent un ou plusieurs des thèmes suivants :
• La mobilité pour se former ou la mobilité comme outil d’apprentissage ?
• Les enjeux de la mobilité.
• La culture de la mobilité.
• Intégration/durabilité de la mobilité en tant que culture et pratique.
• Différents modèles/paradigmes de la mobilité : mobilité vs tourisme ? mobilité vs migration ?
• Les expériences de la mobilité autour de la Méditerranée
• La mobilité comme un outil pour renforcer le développement culturel local
Date limite pour le dépôt des résumés : 15 septembre 2010.
Vos plans d’intervention ou résumés peuvent être écrits en arabe, en anglais ou en français et ne doivent pas dépasser 300 mots. Un comité constitué des partenaires d’Istikshaf analysera toutes les propositions. Pour l’envoi de vos propositions ou pour toutes questions, contacter : Mais Irqsusi mais@almoultaqa.com et/ou Angie Cotte angie.cotte@cimettafund.org
Merci de faire circuler cet appel parmi vos contacts et réseaux.

Quel est le projet Istikshaf ?
Le projet « Istikshaf » a pour but de développer une plateforme permanente (virtuelle et réelle) entre les opérateurs de la mobilité artistique, les artistes et les professionnels de la culture sur la question de la structuration de la mobilité artistique en Méditerranée.
Ce projet a été initié par le Forum Arabe de l’Education et reçoit le soutien pendant les vingt premiers mois de la Fondation Anna Lindh. Les organisations partenaires de ce projet sont le Fonds Roberto Cimetta , le Centre de formation théâtrale arabe (ATTC) au Liban, l’Institut Dramatiska (DI) en Suède, le Studio EmmadEddine Fondation (SEE) au Caire et le Théâtre Al Balad à Amman.

ندوة دراسية حول “استكشاف التجوال حول المتوسط”

25 يوليو 2010

4 – 6 شباط/فبراير 2010
دعوة لتقديم أوراق عمل

يتوجه الملتقى التربوي العربي بالتعاون مع صندوق روبرتو تشيميتا/فرنسا، وذلك ضمن برنامج “استكشاف” المشترك بدعم من مؤسسة آنا ليند، بدعوة الأكاديميين والمختصين والممارسين المهتمين بتقديم أوراق عمل في الندوة الدراسية حول “استكشاف التجوال حول المتوسط” إلى إرسال نبذة مختصرة عن ورقة العمل المقترحة إلى العنوان المذكور أدناه. سوف تعقد هذه الندوة في الاسكندرية/مصر بالتعاون مع المؤسسة الدولية للإبداع والتدريب ضمن سياق برنامج الحوار في المنتدى الإبداعي للفرق المسرحية المستقلة (اوروبا والمتوسط) والذي سيعقد في الفترة ما بين 1- 10 شباط/فبراير 2011.*

خلفية حول الندوة الدراسية:

هناك نقص كبير وغياب واضح للمواد المكتوبة والبناء الفكري حول التجوال كأداة للتعلم، والحوار، والتبادل الفني وكنموذج قديم-جديد متبع في حوض البحر الأبيض المتوسط. تهدف الندوة الدراسية إلى التعمق في وتطوير فهم متجدد عن التجوال في السياق المعاصر من خلال دعوة مجموعة من الأفراد الذين ينظرون إلى التجوال من إطار واسع وشمولي.

إذا قمتم بإجراء بحث أو كتابة ورقة حول هذا الموضوع أو لديكم خبرة تودون الكتابة عنها وعرضها خلال الندوة، نشجعكم على تقديم نبذة مختصرة لا تزيد عن 300 كلمة عن ورقتكم/بحثكم، مع العلم أن المداخلات لن تتعدى 15 دقيقة لكل مداخلة.

سوف تركز الندوة النقاشات على مجالات رئيسية مرتبطة بتجوال الفنانين والتجوال من أجل التعلم حول المتوسط، وسوف تعطى الأولوية للأوراق البحثية والتجارب العملية التي تتصدى للمحاور التالية:

• التجوال من أجل التعلم أم التجوال كأداة للتعلم
• التحديات أمام التجوال والسفر
• ثقافة السفر
• إدماج/استدامة التجوال كثقافة وممارسة
• نماذج مختلفة للتجوال: التجوال مقابل السياحة، التجوال مقابل الهجرة
• تجارب في التجوال/السفر حول المتوسط
• التجوال كأداة للتنمية الثقافية المحلية

الموعد النهائي لتقديم الأوراق هو 15 أيلول/سبتمبر 2010
* www.iact-eg.org/creativeforum

سيتم قبول النبذة المختصرة باللغات العربية، الإنجليزية، أو الفرنسية وسوف تقوم لجنة مكونة من شركاء المشروع بمراجعة كافة الأوراق المقدمة.

يرجى إرسال كافة الأوراق و/أو الاسئلة إلى ميس العرقسوسي: mais@almoultaqa.com.

عن مشروع “استكشاف”:
يهدف مشروع “استكشاف” إلى تطوير منبر تفاعلي للبحث في مسارات التجوال حول المتوسط من أجل تسهيل تجوال الفنانين وزيادة فرص السفر المتاحة لهم بالشراكة مع صندوق Roberto Cimetta Fund فرنسا، المركز العربي للتدريب المسرحي (لبنان)، مسرح البلد (الأردن)، ستوديو عماد الدين (مصر) ومعهد الدراما السويدي (السويد) وبدعم من مؤسسة أنا ليند للحوار بين الثقافات. يحتوي المشروع على عناصر عدة أهمها: المسح الخاص بصناديق التجوال في منطقة المتوسط، اجتماعين لصناديق التجوال في المنطقة، تحفيز المستفيدين من المنح على المشاركة في دعم وتسهيل فرص التجوال لفنانين آخرين، نشرة شهرية، ندوة دراسية، وإصدارات.

يرجى تعميم هذه الدعوة على شركائكم ومعارفكم المهتمين.

حكاياتي في مخيم جنانا

11 يوليو 2010

كانت أول خطوات تعرفي بسفر هي مشاركتي باللقاء الإقليمي والذي أقيم بالبتراء وكان إحساسي بروح سفر إحساس قوي وأضاء لي محاور لم تكن مضاءة من قبل. وكان اللقاء مفعماً بالتجارب والخبرات من قبل المشاركين والهيئة الإدارية . انتهى اللقاء ولم ينتهي إحساسي بسفر وبعد اللقاء بأسابيع قمت بتعبئة طلب لسفر بالسفر إلى لبنان للمشاركة في مخيم الجنى وللاطلاع على العمل التطوعي لبعض الشباب في مخيم البداوي ومحاولة العمل معهم ومساعدتهم.

حطت الطائرة في مطار بيروت وأحاطني شعور من الفرح والسعادة لما تلقيت من ترحيب في المطار، ركبت السيارة وبدأ المشوار
. انظر إلى الخارج لأرى المزيج الغريب من المباني القديمة والجديدة ولم اشعر أبدا أني خارج عمان فالجو المحيط مشابه جدا وصلت إلى الحافلة المتجه إلى برمانة التي كانت بانتظاري ورحبت بي إحدى موظفات الجنى وها نحن ننطلق إلى برمانة. منظر الجبال والبحر كان يأسرني، برمانة منطقة جميلة جدا طبيعة خلابة وأبنية جميلة جدا كقطع فنية.

وهابدا الاجتماع الأول وعدد المشاركين 140 مشارك ولم أكن اعرف سوا شخص أحسست ببعض الخوف ولكن ما قامت به الجنى من تمارين للتعارف وكسر الجليد أحسسني بالراحة، ورأيت احد الأصدقاء من عمان فغمرتني الفرحة برؤيتهم وبدأنا بأعمال المخيم و ورشات العمل فاخترت ورشة صناعة الورق والعلاج بالدراما والرقص الفلكلوري، وكانت الورشات تبدأ على عاشرة تنتهي على 8 ويتخللها الغداء وعروض لبعض الجمعيات وبعد 8 يبدأ العشاء والأفلام والسهرات التي كانت الجنى تنظمها.
كان للمدربين أثرا مهني لما كانوا يقومون بتعليمنا وأثرا نفسي من خلال تحدثنا ومشاركتهم لنا في النشاطات.

وبدا تعلقي برفاقي وزملائي والمسؤولين أكثر إذ كسر حاجز الخوف وهاهم جميعا أسرتي الكبيرة كنا نلتقي على الوجبات وكنا نحرص على وجود الكل معنا، كنت أحس بالأمان، أتصرف كما أنا لم يكن هناك شكليات أو مظاهر وكنت اعتبرهم عالمي الصغير والذي مادمت أتمنى لو يكون العالم الكبير مشابة له، مما أعطاني الفرصة لتأمل والتفكير والسفر إلى داخلي ومعرفة نفسي أكثر.والعمل على تغير مالا لائمني أنا.

كانت أيام الجنى سريعة وسعيدة واكتسبت منها خبرات كثيرة جدا، واقترب الفراق وتمنيت أن يكون آخر يوم هو أول يوم لنبدأ ن جديد، كان الفراق صعب جدا أكثر مما تخيلت فمن عشت معه أسبوعان ستفارقه ومن تعودت على رؤيتهم بالصباح الباكر لن تراهم، كان في قلبي حزن شديد ولكن كنت فرحة بعد اليوم سأعود وارى بيروت التي فتحت أعيني لأرى يديها مرحبة بي .

وما أن وصلت إلى بيروت وإذ يطلب مني النزول إلى البداوي ولم أتردد، لا اعرف لماذا ولكن أحاول كتابة هذا الجزء ولا استطيع اعجز عن الكلام عن البدواي، طيبت الأهالي الموجدين في البداوي من أهل البداوي ومن أهل نهر البارد كانت لا تصور على الرغم مما كانوا يمرون به من ظروف حرجة.
وعمل الشباب المتطوعين في البداوي كان فعال جدا وأحسست انه ليس هناك أي شيء لا نستطيع عملة فكانت مجموعة العمل التى اطلعت على عملهم كخلية نحل، إيمانهم بعملهم وتصميمهم لتحقيق ما يتمنون وبالرغم من كونهم من خارج نطاق البداوي والبارد إلا أنهم كانوا يعطون دعما قويا جدا للأهالي وكان إيمان الأهالي بهم يعطيهم دفعا قويا، هذا كل ما استطيع قوله.

تجربت السفر عنت لي كثيرا واستفدت من الكثير من الخبرات وبصراحة غير شيء من مجرى حياتي هذا كل شيء استطيع أن أبوح به عن هذا التجربة، ولا يسعني إلا أن اشكر بعض الأشخاص مما تركوا بنفسي من انطبعات ومما شاركوني بتجاربهم وسأذكرهم حسب التسلسل الزمني ، سيرين حليلة، رائد عصفور، مروه سعودي، رشا نجدي، رنا، معتز،هشام، بدرية الاسطة، زينة دكاش، منير ملاعب، وكل المشاركين بالجنى، اسماعيل، ربيع، ابو محمود.

الباقي .. يمكن الإستغناء عنه ..

6 يوليو 2010

سهى يوسف النجار
منسقة الشراكات الإقليمية

حين بدأت بإعداد العرض التقديمي لإجتماع سفراء سفر في مصر، أردته أن يكون مؤثراً .. مقنعاً .. شخصياً .. و مسافراً أيضاً .. لذا، وضعت تحدي لنفسي أن أغطي كل ما أود أن أقوله من خلال ما قاله الآخرون عن سفر .. ما قاله المسافرون، أصحاب سفر والهيئة الإدارية .. و المسافرون أجمعهم .. دون أن أضيف مني كلمة واحدة ..
فتحت وثيقة التقييم التي تحتوي على إقتباسات مختلفة ممن شاركوا بالتقييم و أخرى من تأملات الشباب، و أيضاً فتحت المدونة على الموقع الإلكتروني لسفر .. و بدأت بنسخ و لصق الجمل والعبارات حول الأجزاء المختلفة من العرض.. ما هو سفر، محاور عمله ، أهدافه ، أثره ، مستقبله . الحملة المجتمعية، بيوت سفر و أهل البلد..
مضيت ساعات و أنا أنسخ و ألصق بدون ترتيب و تنظيم .. حين بدأت أضع العبارات معاً داخل العرض”ظناً مني أنني قد فزت بالتحدي!!” وجدت أن التحدي الذي وضعته لنفسي .. كان يجب أن يكون بالعكس تماماً .. فبدل أن أنشغل بمحاولة تغطية العرض من خلال ما قاله المسافرون، بدأنت أنشغل في محاولة جعل العرض يتسع لكل ما قالوه عن سفر .. ذلك لأن سفر لم يعد نص إفتراضي كتبه شخص أو مؤسسة ما. سفر أصبح واقع عاشه الكثيرين .. و يتطلع الكثيرين لخوضه .. سفر لم يعد نقاط محددة يجب علينا تغطيتها بالكامل في عرض .. سفر هو ما قاله المسافرون أجمع .. أما عن ما لم يذكره المسافرون .. فبالإمكان الإستغناء عنه ..

مسافر على جناح مشروع ” سفر”

6 يوليو 2010

عندما يكتشف الصحفي مساحات جديدة للحياة خارج أسوار الوطن!
بقلم ثائر ثابت- نابلس

” عشرة أيام من المعايشة لزميلي في مهنة المتاعب “الصحافة” كانت كفيلة بالنسبة لي أنا الذي يشعر دوما أن الحياة هي تلك المسافة التي تفصل بين حاجزين أو مدينتين أو جملتين ، أن اكتشف ولو متأخرا أن الحياة أكثر اتساعا وأكثر غنى وأكثر تنوعا..”.

ربما كان موفقا جدا، الصحافي الفلسطيني وائل مناصرة بهذه الكلمات ، في وصف تأملاته ورحلته في تونس برفقة ومجاورة زميله الصحافي عادل بو هلال، ضمن منحة قدمها له مشروع سفر، بهدف الاطلاع على تجارب الإعلام التونسي. ويفسر الشاعر مناصرة ماهية اكتشافه أن للحياة مساحات جديدة بقوله:” قد يبدو اكتشافي بالنسبة للكثيرين ساذجا، ولكن هذا ما أحسسته وأنا أجوب شوارع تونس ومدنها .. هناك كان للحياة والأشياء طعم مختلف .. نكهة لم أتذوقها من قبل، فالقهوة طعم، وللياسمين رائحة، ووجوه الناس وابتساماتهم، ولون البحر، وهندسة المباني، كلها تبرهن لك أن الحياة اكبر من مجرد كلمة محصورة في حروف فحسب…”.

وعن طبيعة رحلته وتجربته في تونس :” في تلك التجربة التي كان عنوانها الاطلاع على واقع العمل الإعلامي في تونس من خلال معايشة زميلي عادل بو هلال الذي يعتبر واحدا من أشهر الصحافيين في تونس بحكم عمله في صحيفة أسبوعية وعمله كمقدم برامج في قناة “حنبعل” الفضائية تبين لي حقائق كثيرة لم أدرك قيمتها سابقا في العمل الإعلامي…”.

ويوضح مناصرة هذا النقطة بالذات :” هذه المعطيات والحقائق تبدت لي أيضا من خلال زيارة العديد من المؤسسات الإعلاميوالصحافية، لاسيما وإنني أتخصص في الصحافة السياسية وهي التي تحتل اغلب عملي، باختصارهي حقائق اعرفها سلفا ولكن مواجهتها بشكل مباشر تجعل الأمر أكثر وضوحا وأكثر إغراء للبحث عن أجوبة للكثير من الأسئلة التي تتطلبها مهمة تطوير تجربتي وصقلها.

وعن الفائدة التي حققها له مشروع “سفر”:” كم رائع ومدهش الانفتاح على تجارب الآخرين ومعايشتها لأنه يعني المزيد من المعرفة وبالمقابل الكثير من الشقاء و الأسئلة وفوق كل ذلك الاقتراب أكثر وملامسة الأشياء عن قرب “.

ويستطرد قائلا:” خلال هذه الرحلة التقيت بأشخاص كثيرين، لكل واحد منهم اثر ولكل واحد منهم حكاية ولكل واحد منهم ذكرى، وكلهم صاروا جزءا من ذاكرتي وصاروا مصدرا للحنين والشوق والأمل، وهنا تكمن الفضيلة الكبرى لمثل من التجارب العظيمة..”.

وفي كلمة أخيرة لا يجد مناصرة إلا أن يقول:” شكرا لسفر التي وفرت لي هذه الفرصة، هذه الفرصة التي جعلتني اطل على عوالم جديدة ومختلفة وأعيش تجربة فريدة وثرية بكل المعاني والمقاييس.

وهذه هي ليست الفرصة الأولى ولا الأخيرة التي يقدمها مشروع سفر هذا المشروع الوحيد من نوعه في العالم العربي الذي يقدم فرصا للشباب والشابات العرب المبادرين في مجتمعهم للتعلم من خلال السفر والتواصل مع مجموعات وأفراد ملهمين في دول عربية أخرى، إذ يعمل على بناء شراكات مجتمعية بهدف إثارة حراك ثقافي عربي لتهيئة مساحات وفرص ملهمة للتعلم عبر التجوال، وخلال السنوات الأربع الماضية قدم المشروع 342 منحة ل 140 شابة 202 شاب مبادر من 17 دولة عربية.

وسيجد الصحافي مناصرة دوما، في أجندته عناوين عشرة أيام قضاها خارج أسوار وطنه الأم، في حضن وطن آخر شقيق، لكنها رغم قلتها كانت كفيله لتبرهن له أن للحياة مساحات وفضاءات كبيرة وواسعة، وتأملاته من خلال مشروع “سفر” إلى سفر ستبقى مشرعة في وجه الذكريات والحنين والنسيان أيضا…!

الجزيرة توك: http://www.aljazeeratalk.net/node/6279

المخرجة أسماء بسيسو والتعلم من خلال التجوال

8 يونيو 2010

في العام 2008 توجهتْ أسماء بسيسو إلى لبنان وكانت قد عقدتْ العزم على تصوير فيلم وثائقي قصير عن اللاجئين الفلسطينين في المخيمات حيث كانتْ ما تزال في مطلع حياتها المهنية كمخرجة أفلام وثائقية، لم تكن تملك حينها حتى مجرد كاميرا أو أي معدات للتصوير، قررتْ أن تخوض غمار التجربة وتبحث عن القصة وتصور الفيلم وبميزانية تبدأ من الصفر.

تقدمتْ بسيسو آنذاك إلى مشروع سفر وهو مشروع عربي يوفر منح للتجوال للشباب والشابات العرب المبادرين في الوطن العربي ويهدف الى تعزيز ثقافة السفر من أجل التعلم، والبحث في مفهوم السفر كأداة تعلم. وبالفعل تمكنتْ من الحصول على منحة سفر للتزاور مع بيروت دي سي وفرصة التقاء المخرجة اللبنانية سنثيا شقير التي عوّلت الكثير على زيارتها والعمل على بلورة فيلمها التسجيلي الأول، فتوجهتْ إلى بيروت وفي جعبتها أحلام صغيرة.

تقول بسيسو ” لم يخطر ببالي أن تجربتي في لبنان كانت ستتجاوز مجرد صناعة فيلم هناك، فقد تعدى ذلك إلى فهمي لكثير من الأمور خاصة السياسي منها وطبيعة معاناة الناس في المخيمات اللبنانية، فغالباً ما ترتبط صورة لبنان في أذهاننا بأنها مكان للترفيه وقضاء الإجازات الصيفية على شاطئ البحر، الا أن معايشتي للناس هناك ولأهل مدينة صيدا على وجه الخصوص، أظهر لي جانباً اخر للبلاد، وهو أن لبنان عاشت معاناة كبيرة على مر الزمن”.

وحول تجربتها مع الفيلم أوضحت بسيسو بأنها اختبرتْ تجربة مميزة خاصة أن الفيلم “سبع صنايع وطن ضايع″ هو فيلمها القصير الأول، تجربة علمتها الكثير وكيف أن لإرادة الإنسان قوة على التحقيق والإنجاز سيما وانها اتسمتْ بروح العمل الجماعي حيث حظيتْ بمساعدة جميع من هم حولها : “إن الفيلم بالحقيقة لا يعبر فقط عما قيل في داخله، لقد حاولتُ ان اعكس تجربتي الشخصية هناك من خلال الناس الذين تعرفت اليهم سواء ظهروا بالفيلم ام لا، وكانت رسالتي من الفيلم ان اوصل للعالم بطريقة غير مباشرة ما مررتُ به من تجارب وخبرات عظيمة مع هذا الشعب الطيب، والذين لم اكن لأتعرف عليهم لو بقيت أراوح مكاني”. وتضيف “ذهبت الى هناك وأنا احملُ بعض النقود من منحة مشروع سفر لتغطي نفقات الاقامة والمواصلات، لا أملك كاميرا أو أي معدات للتصوير، ولكنني والحمدلله وجدتُ أياد كثيرة امتدت لتساعدني وأنا اعتبر هؤلاء الجنود المجهولين الذين لولاهم لما استطعت ان أنجز العمل ولولاهم لما رأى “سبع صنايع وطن ضايع″ النور على الإطلاق”.

تواصل بسيسو تقدمها بشغف لإحتراف صناعة الأفلام، صورتْ وأخرجت لغاية اليوم ستة أفلام وثائقية قصيرة، شاركت في العديد من المهرجانات الدولية. “أنا غزة” كان هو الفيلم التسجيلي الطويل الأول لها ومدته 45 دقيقة تم تصويره أبان الحرب على غزة مطلع العام المنصرم 2009، حيث حملت بسيسو كاميرتها وتوجهت إلى هناك وقامت من خلاله التقاط العديد من القصص الإنسانية التي تظهر الآثار التي خلفتها الحرب وبهدف إظهار الجوانب التي لم تتطرق إليها وسائل الإعلام من قبل.

فازت بسيسو مؤخراً بإحدى جوائز الدفعة الثانية لتمويل مشروعات الأفلام التسجيلية المقدمة من صندوق الأفلام في معهد الشاشة ببيروت لمخرجين من الاردن ولبنان وفلسطين وسوريا .حيث نالت جائزة قيمتها ثلاثة الاف دولار عن مشروع فيلمها المعنون “ما زالت عايشة” والذي يحكي قصة الفتاة عايشة التي تخلت عنها عائلتها وهي طفلة في الشهر السادس من عمرها وأمضت اكثر من عقدين في التنقل بين دور إيواء الأيتام .

يلاحظ المتتبع لمسيرة أعمال المخرجة أسماء بسيسو القاسم المشترك الذي يربط أبرز أفلامها التسجيلية، فمن “سبع صنايع وطن ضايع″ الذي جرى تصويره في مدينة صيدا في لبنان، إلى “رسالة من غوانتنامو” في دارفور، ثم “تروحي سالمة وترجعي غانمة” الذي قامت بتصويره في 4 بلدان مختلفة، فإلى “أنا غزة” الذي تم تصوير في قطاع غزة أبان الحرب 2009، نجد أنها تعتمد التجوال أساسا للتعلم واختبار الحياة، فتنسج رحلتها من خلال سفرها، لتتسع رؤاها ورؤانا معا.

يذكر بأن مشروع سفر www.safarfund.org هو المشروع الوحيد من نوعه في العالم العربي الذي يقدم فرصا للشباب والشابات العرب المبادرين في مجتمعهم للتعلم من خلال السفر والتواصل مع مجموعات وأفراد ملهمين في دول عربية أخرى، إذ يعمل على بناء شراكات مجتمعية بهدف إثارة حراك ثقافي عربي لتهيئة مساحات وفرص ملهمة للتعلم عبر التجوال، وخلال السنوات الاربع الماضية قدم المشروع 342 منحة ل 140 شابة و202 شاب مبادر من 17 دولة عربية.
سعاد نوفل